أخبار عاجلة

رسالة تهنئة للدكتور إسلام أقيس ودعوة للعناية بمنظور السننية الشاملة – الدكتور الطيب برغوث –

 بمناسبة مناقشة أخي العزيز الأستاذ إسلام أقيس رسالته لنيل شهادة الدكتوراه في الثقافة الإسلامية، بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة، في موضوع: ” التجديد في الفكر الإسلامي الحركي المعاصر: الطيب برغوث نموذجا ” أمام لجنة مناقشة تألفت من كوكبة متميزة من الأساتذة والأستاذات من عدة جامعات بالجزائر، برئاسة أ. د. عيسى بوعافية، وإشراف أ. د. بشير بن طبة، أتقدم لأخي إسلام ولعائلته الكريمة، بأحر التهاني القلبية، وأدعو الله تعالى أن يبارك له في عمله العلمي هذا، وينفعه به، ويجعله منطلقا لنشاط علمي أكثر عمقا وخصوبة وفائدة له ولمجتمعه وأمته، والإنسانية عامة، فخدمة الإنسانية وتمكينه من نسمات وبركات الرحمة الكونية العامة، هي الهدف الذي ينبغي أن تتحرك نحوه اهتمامات كل إنسان في هذا الوجود، كما علمنا ذلك الإسلام العظيم، ودعانا إليه في مثل قوله تعالى في القرآن الكريم، وهو يحدد رسالة الإسلام ونبيه عليه الصلاة والسلام في الوجود: ﴿ وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَـٰكَ إِلَّا رَحۡمَةً لِّلۡعَـٰلَمِینَ﴾ [الأنبياء:107].

أخي العزيز إسلام إن الموضوع الذي اخترته لأطروحتك العلمية موضوع في غاية الأهمية، ليس لأنه يتعلق في جزء منه بالأستاذ الطيب برغوث فحسب، بل لأنه يتعلق بالدرجة الأولى بقضية التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر، وخاصة في جانبه الحركي غير المفصول طبعا عن جانبه المعرفي النظري الأكاديمي من ناحية، ولأنه بدون التجديد المستمر والشامل والمتكامل والمتوازن والفعال من ناحية أخرى، لا يمكن للمجتمع والأمة أن ينهضا ويبارحا مستنقعات الضعف والتخلف والغثائية والتبعية والاستباحة الحضارية المذلة، بل والمهلِكة، التي تعيش فيها الأمة مع الأسف الشديد.

أخي العزيز إسلام: إننا جميعا نعلم بأن التجديد هو مفتاح بل قانون الحياة المحوري، سواء تعلق الأمر بحياة ومصائر الأفراد، أو بحركة ومصائر الدول والمجتمعات والأمم والحضارات، فهو أي التجديد، قدَرهم جميعا في الانسجام والتكامل والتوازن، والقوة والنفوذ والمنعة الحضارية، فمن وعى ذلك وأمسك بشروطه، وتمكن من استثماره بشكل صحيح، فقد أمسك بالسر الأعظم للحياة والنهضة الحضارية، ومن اضطرب وعيه بذلك، ولم يستجمع شروطه، فقد حرم نفسه من بركات السر الأعظم للحياة في حركة مداولتها الخافضة الرافعة للأفراد والدول والمجتمعات والأمم.

أخي العزيز إسلام: إننا جميعا نعلم الدور المحوري للتجديد في الحياة، وكل الناس يدندنون حوله، ويسعون له، وينفقون الغالي والنفيس من أجله، ولكن المعضلة الكبرى تكمن في مفهوم التجديد وشروطه، واستراتيجيات تجسيده في واقع الحياة، ولا أظن أن الناس في عالمنا العربي وفي غيره من العوالم الإنسانية الأخرى، سيدركون المفهوم الصحيح والأشمل، والأكثر توازنا وواقعية وفعالية وخيرية وبركة ورحمة للتجديد، أو يهتدون إلى الاستراتيجيات الصحيحة لتحقيقه، بدون الوعي بمنظور السننية الشاملة ومقاصده ومقتضياته ومعطياته، وهو ما تكون قد اكتشفتَ بعض أسراره في أطروحتك هذه، التي حاولت فيها استكشاف رؤية الأستاذ الطيب برغوث إلى قضية التجديد في الفكر الإسلامي النظري منه والحركي معا.

أخي العزيز إسلام: إن التجديد باعتباره عملية مراجعة واستدراك وتحيين إبداعي شامل ومتوازن ومتكامل ومستمر، يستجيب بها الأفراد والدول والمجتمعات والأمم والحضارات لضروريات وحاجيات ومحسنات وتحديات حركة المدافعة والمداولة الحضارية الشاملة، المهيمنة على الوجود الدنيوي البشري، والمؤثرة بشكل حاسم على المصائر الأخروية للناس، إن التجديد بهذا المعنى والمضمون هو الذي ينبغي بل يجب أن نرسخ الوعي به، وأن نجري وراءه، وأن نسخر له كل شيء في حياتنا حتى ندركه.  

أخي العزيز إسلام: لعلك وصلت في أطروحتك هذه، إلى أن رؤية الأستاذ الطيب برغوث في التجديد عامة، تقوم على الوعي بمنظور السننية الشاملة فهما واستثمارا أو تفعيلا، وأن هذا المنظور هو أرقى المنظورات المعرفية والمنهجية والوظيفية وأشملها، وأكثرها واقعية وفعالية وتوازنا، وانسجاما مع التكوين الجبلي الفطري للإنسان وإمكاناته وقدراته وطاقاته، وهويته وحاجاته وطموحاته وتقلباته، وما يحيط بحركة حياته من تحديات كثيرة ومتلاحقة، تهدد توازنه وانسجامه وحريته وكرامته ومسئولياته الوجودية، ومصيره الأخروي.

إخي العزيز إسلام: إن منظور السننية الشاملة هو المنظور الذي يحقق الانسجام والتكامل والتوازن والخيرية والبركة والرحمة في حياة الإنسان، لأنه المنظور الذي ينفتح على كل الساحات الكونية التي تتوزع فيها سنن الله تعالى في الحياة، ويلزم الإنسان باكتشافها والتحكم فيها، واستثمارها بكفاءة وفعالية في إدارة حياته، وتلبية ضرورياتها وحاجياتها ومحسناتها، ومواجهة تحدياتها الشاملة، ولا يعذر أحدا بجهله بها، أو غفلته عنها، أو تقصيره فيها، بل يحمِّله مسئولية تبعات ذلك كله، ويعرِّضه للعقوبة القاسية العاجلة والآجلة معا.

أخي العزيز إسلام: لهذا كله اعتبرت موضوع أطروحتك في غاية الأهمية، لأنه سيحيل القارئ لو جزئيا إلى منظور السننية الشاملة، ويصله بعالمه الفسيح، ويشحذ اهتمامه ووعيه به، ويحدث تغييرات جذرية عميقة وشاملة في وعيه وحياته، فجزاك الله خيرا على ما بذلت فيه من جهد، وما وصلت إليه من نتائج، ووفقك للمضي قدما على طريق منظور السننية الشاملة الذي به نحقق نهضتنا الحضارية المتوازنة، وبه نؤمِّنها، وبه نصحح بعض المسارات المرتبكة والخطيرة في الحضارة الإنسانية المعاصرة، ونحافظ على مكتسباتها الرائعة، ونمكن بقية البشرية من الاستفادة منها دون تمييز.

 إخواني الأفاضل أعضاء لجنة المناقشة: وأخيرا أتوجه بالتهنئة للأخ العزيز أ. د سي بشير بن طبة المشرف على الرسالة، وإلى رئيس لجنة المناقشة أ. د سي عيسى بوعافية، وبقية أعضاء اللجنة الأفاضل، بهذا العمل العلمي، وأدعوهم إلى المزيد من العناية بقضية توجيه الطلبة إلى الانفتاح على منظور السننية الشاملة، والاستفادة منه في بناء وعيهم وإدارة حياتهم، لأنه المنظور الذي سيحدث تحولات كبيرة في وعيهم وحياتهم ومساهماتهم في خدمة المجتمع والأمة والإنسانية عامة، وأنتم من طلائع نخبتنا الثقافية الرسالية التي يعلق عليها المجتمع آمالا كبيرة.

إخواني الأفاضل أعضاء لجنة المناقشة: إن الطلبة أمانة بين أيدي الأساتذة المباشرين للعلاقات العلمية والتربوية معهم، ولا شك أن هذه فرصة عظيمة لكل أستاذ إذا استثمرها في توجيه الطلبة إلى الانفتاح على هذا المشروع الكبير مشروع منظور السننية الشاملة الذي جاء به القرآن الكريم، وحمَّل المسلمين وفي مقدمتهم نخبهم، مسؤولية تبليغه للناس قولا وفعلا، وإنها لأمانة ومسئولية وشرف ما بعده شرف.

إخواني الأفاضل أعضاء لجنة المناقشة: إن مشروع منظور السننية الشاملة ليس مشروع الدكتور الطيب برغوث، بل هو مشروع الأمة، ودوري البسيط فيه هو محاولة بلورة خريطة معالمه الكبرى، لذا فهو مشروع كل مثقف رسالي في مجتمعنا وأمتنا، فليكن لكم نصيبكم في هذا الميراث القرآني المحمدي الإسلامي العظيم، من خلال مساعدتكم لأجيال الطلبة في الانفتاح عليه والاستفادة منه.

إخواني الأفاضل أعضاء لجنة المناقشة: إنها لأمانة ومسئولية وشرف، أن يكون لنا دور في تأسيس الوعي بهذا المشروع القرآني السنني الكلي العظيم. الذي ينقلنا من حالة التيه والتنافرية والاهتلاكية الذاتية والاجتماعية المزمنة، إلى حالة الرشد والقصْدية والغائية والفعالية الإنجازية المؤثرة في حياتنا وواقعنا، والمحركة له باتجاه تحقيق نهضتنا الحضارية المنشودة.

 إخواني الأفاضل أخواتي الفضليات، أستسمحكم بهذه المناسبة في استحضار زفرة بل وصرخة طالبة في الدراسات العليا بجامعة الأمير عبد القادر، درست عندي عرضا موجزا لمنظور السننية الشاملة وأهميته في الحياة، يوم كانت الجامعة تدعوني كأستاذ زائر، فقد قالت لي على الملأ وهي تتنهد متأسفة ومتأثرة ومحتجة، ونحن نقيِّم معا حصيلة المادة الدراسية، وما الذي استفدناه منها: لماذا لم ندرس هذه المادة أو هذا الكلام منذ بداية دخولنا إلى الجامعة؟ وأضافت: لأول مرة شعرت بأنني في الدراسات العليا حقا، ولو درسنا هذا الكلام مبكرا لكان له أثر كبير في تفكيرنا ووعينا وحياتنا.

وهذه الروح التي عبرت عنها هذه الزفرة أو الصرخة البريئة العميقة لهذه الطالبة، والمستكنَّة في صدور وعقول غيرها، هي التي يستجيب لها منظور السننية الشاملة ويلبي طموحاتها بشمولية وعمق وتكاملية وتوازن وفعالية، لذلك أدعو كل مهتم ومهموم بنهضة المجتمع والأمة، وباحث عن شروطها الشاملة والمتكاملة والمتوازنة والفعالة، أن يساهم بكل ما يستطيع في نشر الوعي بهذا المنظور لدى أجيال المجتمع، ويضع بين أيديهم رؤية واستراتيجية  متكاملة للنهضة إن شاء الله تعالى، فيها انسجام وتناغم وتوافق مع إطارهم الروحي والفكري والثقافي والأخلاقي والحضاري المرجعي من جهة، ومع منطق السنن الشاملة الحاكمة للوجود الإنساني والكوني عامة من جهة أخرى.، وهو ما يخلصهم من مشكلات ومتاعب بل ومصائب الازدواجية المنهكة من جهة ثالثة، ويحقق فعاليتهم التكاملية المرجوة من جهة رابعة.

إخواني الأفاضل: أدعو الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا مراشد أمورنا، وأن يبصرنا بالأولويات المحورية في حياتنا وعملنا، وأن يعيننا ويوفقنا للقيام بها، وأن يرزقنا الإخلاص والصواب، وأن يجعلنا في طلائع بناء وعي الأجيال وتهيئتها لمسئولياتها الكبرى في تمكين المجتمعات الإسلامية المعاصرة من إنجاز نهضتها الحضارية المنشودة، التي طال بها الطريق.

 والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

محبكم الطيب برغوث.

تروندهايم يوم الأحد 01 جمادى الأول 1446هـ  ـــ الموافق: 03 نوفمبر 2024م.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة عشر − خمسة =