أخبار عاجلة

الباحث في الفكر الإسلامي الدكتور بدران بن لحسن في حوار لجريدة البصائر: نفتقد لـمشروع نهضوي حضاري للأمة

حاورته فاطمة طاهي/

أجاب الدكتور بدران بن لحسن، الباحث في مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة قطر، عن مختلف الأسئلة التي تشغل ساحة الفكر الإسلامي المعاصر، بدءا بمشكلات الأمة الإسلامية في الوقت الراهن إلى آفاق الإصلاح والتجديد، وباعتبار الدكتور مؤسس ومدير برنامج ماجستير فلسفة الحضارة، أول برنامج دراسات عليا في فلسفة الحضارة في الجامعات الجزائرية، تطرق للحديث عن الحضارة الإسلامية وأثرها في الفلسفة والعلوم الأخرى، وعن قضية حوار الحضارات ولماذا يتم غالبا توجيه الاتهام للإسلام بأنه السبب الرئيس في صراع الحضارات؟ وما «الدين الجديد» الذي يسمى بـالديانة الإبراهيمية: الخلفية والأهداف، وواقع تعليم العلوم الشرعية وما السبيل لتدريسها بمنظور واقعي وبصيغة تحاكي الواقع الإنساني لمعاني الإسلام ومقاصده، هذه الأسئلة وأخرى طرحتها جريدة البصائر الجزائرية على الباحث في الفكر الإسلامي الدكتور بدران بن لحسن، باعتباره أحد الأسماء المهمة والفاعلة في مسيرة الفكر الإسلامي المعاصر داخل الجزائر وخارجها.

في البداية دكتور لو تقدم لنا نبذة عن شخصكم الكريم؟
– بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد؛ أنا بدران بن مسعود بن لحسن، باحث جزائري من باتنة، أعمل باحثا في مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة قطر، وقد عملت قبلها في جامعة حمد بن خليفة في قطر، وجامعة الملك فيصل بالسعودية، وجامعة باتنة، والجامعة الإسلامية العالمية ماليزيا.
أحمل شهادة دكتوراه في دراسة الحضارة والفلسفة، وماجستير في مقارنة الأديان، درست في الجزائر ثم ماليزيا، ومهتم بالبحث في فكر مالك بن نبي والحضارة والفكر الإسلامي ومقارنة الأديان، وبالدراسات البينية التجسيرية. نشرت ستة كتب وحوالي خمسين بحثا محكما وشاركت في عشرات المؤتمرات الدولية، وقمت بالتدريس طيلة العشرين سنة الماضية في المرحلة الجامعية الأولى وفي الدراسات العليا، كما أشرفت على الطلبة، والبرامج، وترأست عددا لا بأس به من اللجان العلمية والفكرية.
أشارك بمقالات أسبوعية تهتم بالنهضة الحضارية والفكر الإسلامي، في بعض الجرائد والمواقع والمراكز البحثية، وأسعى لتقديم ورشات تدريبية وتكوينية لفائدة الباحثين والشباب، خدمة للمعرفة وللمجتمع وللأمة.

باعتباركم مهتما بالبحث والتدريس في مجالات الفلسفة ومقارنة الأديان وفلسفة الدين والثقافة والحضارة وتاريخ الأفكار وفلسفة التاريخ والفلسفة الإسلامية، ما هي مشكلات الأمة الإسلامية؟
– هذا سؤال صعب ومعقد، ولا يتوقع مني الإجابة عنه بسهولة، وبخاصة أن أجيالا من رواد التجديد والإصلاح في أمتنا سعوا للإجابة عنه، غير أني بناء على خبرتي المتواضعة، ومن خلال قراءاتي لتراث التجديد والإصلاح في الأمة، ومن خلال قراءاتي لواقع أمتنا، فإن أمتنا تواجه مشكلات متعددة؛ سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية وتنموية وصناعية وغيرها.
فنحن نعاني استبدادا سياسيا أفقد الأمة حريتها وحريات أفرادها، وأنظمة الحكم في معظم بلداننا لا تقوم على الاختيار الشعبي الحر، ولا يؤخذ برأي الأمة في قضاياها المصيرية، بل قراراتها السياسية الكبرى مختطفة ومغتصبة.
ونعاني مشكلات اجتماعية كثيرة من الفقر والجهل والتمزق الاجتماعي وغياب مؤسسات اجتماعية فاعلة تحقق للأمة مقاصدها وتقوم على مبادئها، بحيث نشهد غيابا للتكافل والتراحم كما ينبغي.
ونعاني مشكلات اقتصادية، فشعوب أمتنا في ذيل الترتيب الاقتصادي من حيث التنمية الاقتصادية، والفعالية في الإنجاز، وفي تطبيق مختلف مقتضيات النجاعة الاقتصادية، وكثير من دولها غارقة في ديون تسلبها سيادتها.
ونعاني مشكلات ثقافية جعلت من أبنائنا وبناتنا يجهلون قيمهم، ولا يعرفون ثقافتهم الإسلامية، ويستصحبون معهم «الأفكار الميتة» من التاريخ، ويغرمون «بالأفكار المميتة» الوافدة إلينا مثل النفايات الأيديولوجية والفكرية، حتى صرنا نعيش ثقافة التخلف بدل النهضة والتقدم والسيادة.
ونعاني تخلفا تعليميا وصناعيا، لأن مناهجنا التعليمية متخلفة عما وصلت إليه الحضارة الإنسانية، كما أنها تفتقد إلى فلسفة واضحة تؤسس شخصية المسلم على عقيدته الإسلامية ودينه وقيمه، فصارت مؤسساتنا التعليمية تخرج «إنسان النصف» الذي لا يكاد يقوم بواجب ولا يؤدي وظيفة كاملة ولا يحقق الكفاية المطلوبة ولا يمتلك شخصية مستقلة، وغيرها من جوانب المشكلات المتعددة.
ولكن ما ينبغي أن نؤكد عليه أن هذه المشكلات المتعددة هي أوجه لمشكلة جوهرية واحدة؛ هي غياب الحضارة الإسلامية عن قيادة الإنسانية.
بعبارة أخرى، فإن أهم مشكلة نواجهها وتجمع بجوفها كل المشكلات الأخرى، هي فقدان مشروع نهضة حضارية للأمة، تمكننا من توحيد الوجهة، وتجميع الجهود، وتفعيل الأداء.
وما لم نملك هذه الرؤية التكاملية لمشكلاتنا، بحيث تنظر إليها في تنوعها، وفي كليتها، فإننا لن نستطيع تشخيصها تشخيصا دقيقا واقعيا علميا، ولا نستطيع أيضا وضع حلول لها، لأن وضوح الرؤية هو ما يحدد المنهج، وما يسهم في دقة الحلول المقترحة.

تحصلتم على جائزة لمياء الفاروقي للتفوق الأكاديمي التي تنظمها الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا والمعهد العالمي للفكر الإسلامي، حدثنا عن هذه المشاركة؟
– نعم. الحمد لله تحصلت عليها في دورتها الأولى رفقة صديقي الدكتور فتحي من تونس وصديق آخر من ماليزيا، حينها كنا طلاب ماجستير في 1997، وكانت جائزة للطلبة للمنافسة فيها، وسميت جائزة «لمياء الفاروقي» للتفوق الأكاديمي، لما تمثله الشهيدة بإذن الله لمياء الفاروقي من قيمة علمية وفكرية وحياتية، فهي زوجة العلامة إسماعيل راجي الفاروقي رائد من رواد الفكر الإسلامي، وهما من فلسطين، واستشهدت بسبب فلسطين.
ولمياء الفاروقي وزوجها إسماعيل راجي الفاروقي أمريكيان من أصل فلسطيني، عاشا عمرهما للعمل ولخدمة الإسلام والإنسانية والقضية الفلسطينية من الناحية العلمية والفكرية، ومن أشهر كتبهما كتاب «أطلس الحضارة الإسلامية» الذي يتوفر بكل لغات العالم، وأتمنى من كل شبابنا قراءته والاطلاع عليه، فهو يمثل مدرسة متفردة في بناء الوعي والفكر، وفي التأسيس للرؤية الإسلامية في الكون والحياة، وأثرها في الفكر والعلم والعمل والتعبير الفني.
فكانت هذه الجائزة حافزا لنا، ونحن طلبة على الاجتهاد والتفوق، وأتمنى أن تكون مثل هذه الجوائز في جامعاتنا لتشجيع الطلبة على التميز العلمي والبحثي.

كنت مؤسس ومدير برنامج ماجستير فلسفة الحضارة، قسم الفلسفة، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة باتنة، أول برنامج دراسات عليا في فلسفة الحضارة في الجامعات الجزائرية، حدثنا عن الحضارة الإسلامية وأثرها في الفلسفة والعلوم؟
–  الحضارة الإسلامية حضارة الخير والجمال، وحضارة العقل والضمير، وحضارة الإيمان والتوحيد قبل ذلك، جوهرها الإسلام؛ الذي جوهره التوحيد، والتوحيد رؤية للوجود وللكون والحياة، تجعل الإنسان يتوجه بالعبادة لله، ويتجه نحو العالم ليعمره ويحقق الاستخلاف، ويتجه نحو أخيه الإنسان ببناء علاقات تقوم على التعاون والعدل، ولذلك فالتوحيد الذي يميز الحضارة الإسلامية، والذي هو جوهر الإسلام، ينطبع على المعرفة فلا يتعارض عنده العقل والنقل، ولا يتضاد عنده الوحي والطبيعة، وينطبع على الإنسانية فيرى المسلم أصل الإنسانية واحدا فلا يقع في العنصرية والتميز العنصري والعرقية والطبقية، وينطبع التوحيد في ذوقه فيتجلى له الجلال والجمال في كل شيء ويقوده لتجاوز الاختزالات المادية، وينطبع التوحيد في قيمه فيقوم بالقسط بين الناس ولا يظلم ولا يقبل أن يقع عليه الظلم. وينطبع التوحيد في وعيه فلا ينكفئ الوجود عنده في عالم المادة، بل يتكامل عنده الوجود مادة وغيبا، لكنها أيضا حضارة بشرية بالرغم من وجود مرجعية ربانية لها، تسري عليها قوانين التحضر والتخلف والانهيار، وأنها جهد بشري على الإنسان أن ينجزه.
ولهذا ينبغي أن نفرق في نظرتنا للإسلام وللحضارة الإسلامية؛ فالإسلام معطى إلهي متعال عن التحريف والتبديل، وهو صالح لكل زمان ومكان، أما الحضارة الإسلامية فهي حصيلة تفاعل المسلم مع الإسلام ومع ظروفه التاريخية وسياقاته الاجتماعية والفكرية ومع مرحلته التاريخية وفي علاقاته بالكون والإنسان وبقية الكيانات الحضارية.

في ضوء هذه العلاقة الشائكة والوعرة بين الدين والفلسفة، وما بينهما من اتصال وانفصال هل لـ “فلسفة الدين” حضور في المجال التداولي الإسلامي؟
– الحقيقة أن العلاقة بين الدين والفلسفة ليست شائكة، بل الشائك هو العلاقة بين نوع من الدين ونوع من التفلسف؛ اللذين يكون أحدهما اختزاليا أو كلاهما.
ولهذا فإن الخلط بين مفهوم الدين وبين مفهوم الفلسفة ومجالهما، يؤدي إلى تصور علاقة مستحيلة أو صعبة أو شائكة.
ذلك أن الدين يقوم على الإيمان العقلي والقلبي ويثمر تصرفات وسلوكيات وقيما تبنى على ذلك، بينما الفلسفة اشتغال عقلي نظري في مباحث كلية.
بعبارة أخرى فإن الدين الحق معطى إلهي، وهداية إلهية للإنسان، لتستقيم حياته، وتتكامل، ويحقق الإنسان غاية وجوده الدنيوي والأخروي، بينما الفلسفة جهد عقلي لبحث قضايا تواجه الإنسان تتعلق بالوجود والقيم والمعرفة وغيرها من القضايا التي تشغل الانسان.
ولا شك أن المتفلسف ينطلق من خلفية معينة وأفكاره تصدر عن تصور معين للوجود والإنسان والخالق والخلق، وقد يكون مرجعه في ذلك الدين أو ثقافة درج عليها ونشأ فيها، لأن الفلسفة لا تنفصل عن واقع الإنسان، ولا يمكن للإنسان أن يفكر خلواّ من أي مرجعية.
ولهذا فهناك الفلسفة التي تخدم الدين إذا انطلقت من مقولاته ومرجعيته ومسلماته وقيمه، كما أن الدين يخدمها بتوفير نواظم تفكير لها ومرجعية نهائية، وبينهما تداخل من حيث القضايا والموضوعات، وبينهما تمايز من حيث المنهج والسعة والغايات، فالدين أوسع من الفلسفة، لأنه موجه لكل الناس على اختلاف مستوياتهم، وله غاية دنيوية وأخروية، والإيمان فيه مركزي، وجوهره الاعتقاد الذي يقوم على التقديس، بينما الفلسفة دائرتها ضيقة، لأنها اشتغال عقلي صرف، وتتوجه لفئة محدودة، وغايتها التساؤل في الكليات وبنائها بناء عقليا.
ولهذا فحضور الفلسفة في كل المجالات التداولية لمختلف الأديان، كما أن الخلفية الدينية مؤسسة لكل تفكير فلسفي، وإن أنكر بعض المتفلسفة ذلك.
والفلسفة في المجال التداولي الإسلامي مبحث عميق وحقل واسع من حقول المعرفة الإسلامية، مثله مثل غيره من حقول المعرفة الإسلامية. وقد استفاد المسلمون في تأسيس تفلسفهم على ما يمنحه لهم الإسلام من مرجعية ومن حقائق ومن توجيهات ابستيمولوجية وقيمية ووجودية، كما استفاد من تراث العالم في وقتهم، وطوروا الاشتغال الفلسفي من حيث الموضوعات ومن حيث المفاهيم ومن حيث المناهج والمدارس الفلسفية.
ولما توقف العقل المسلم عن الابداع، تقهقرت الفلسفة الإسلامية، مثلها مثل غيرها من حقول التفكير والعلم والبحث في أمتنا، وهذا أوان استئنافها بقوة، لأننا نحتاج إلى فلسفة إسلامية لنهضتنا الحضارية الجديدة، تفتح الآفاق للإنسان لبناء المستقبل، وتجيب عن تحديات الأطروحات المخالفة كالعبثية والمادية وأطروحات الخروج عن الفطرة وفقدان المعنى والتدمير الذاتي للإنسانية وغيرها.
فالفلسفة بروح الإسلام العظيم أمر بالغ الأهمية لوقتنا.
حدثنا عن قضية حوار الحضارات والتي نتج عنها عقد العديد من المؤتمرات والندوات العالمية، لماذا يتم غالبا توجيه الاتهام للإسلام بأنه السبب الرئيس في صراع الحضارات؟
– الحقيقة أن الحضارات لا تتحاور، بل يتحاور أهل الحضارات من مفكرين وقادة وعلماء، فالحضارات تتفاعل مع بعضها البعض أخذا وعطاء وردا ورفضا وقبولا، ولا توجد حضارة لم تأخذ من غيرها، ولكن ما يميز التفاعل بين الحضارات هو أن كل حضارة تخضع ما استمدته من حضارات أخرى لرؤيتها الكونية ومنظومتها القيمية وحاجاتها الاجتماعية ومقتضيات مرحلتها.
أما حوار الحضارات الذي يعقد اليوم فهو شعار كبير وغاية سامية، وبخاصة أننا نعيش اليوم في عالم كأنه قرية واحدة بفعل الثورة المعلوماتية ووسائل التواصل الاجتماعي وارتباط دول العالم ومجتمعاته ببعضها البعض في كل أوجه الحياة. وهذا أدى إلى الصراع والتنافس بين الأمم والحضارات بطريقة مكشوفة وواضحة، تكاد تقضي على الإنسانية وحضارتها، وبخاصة مع تغول الغرب ومحاولته بسط نفوذه على العالم بطريقة غير أخلاقية، ومنع أي تجربة حضارية من البروز، مستعملا في ذلك الوسائل الصلبة والناعمة.
وهذا ما دعا عقلاء الإنسانية إلى الدعوة للحوار الحضاري لتخفيف التوتر، ولتحقيق التعايش والتعاون بين بني الإنسان.
أما فيما يتعلق باتهام الإسلام بأنه السبب في الصراعات، فإن ذلك لسببين في تصوري: أولهما أن الإسلام الناهض يقلق القوى المهيمنة التي تسيطر على مصير الحضارة اليوم بطريقة ظالمة، ولا تريد أن ينافسها أحد، ولا أن يفضح زيفها. ولهذا فوصم الإسلام بأنه سبب الصراع الهدف منه حشر المسلمين في زاوية الدفاع والتبرير بدل الإنجاز وتقديم البدائل.
ومن جهة أخرى فإن قوى الصراع في العالم تقوم بتوجيه الوعي وتزييفه حتى لا ينتبه العالم إلى مصادر الصراع الحقيقة، والتي هي هيمنة الحضارة الغربية على العالم، ولذلك فإن حجم الزيف المنتشر في وسائل الإعلام ووسائطه كبير جدا، حتى تسبب في قلب الصورة الحقيقة، وبخاصة أن المسلمين اليوم هم الطرف الأضعف، ولا توجد قوة مركزية إسلامية تتولى حماية الإسلام والمسلمين، ومعاقبة من يزيف الحقيقة ويتهم الإسلام، فاتهامها لطرف الضعيف؛ أي المسلمين، سهل ولا يترتب عليه عقاب، ولهذا فإنه لولا قوة الإسلام، وتعاليه عن الزيف، لما بقي صامدا، بسبب أن المسلمين الآن ضعاف لا يستطيعون حماية دينهم، وهذا مدعاة لنا لأن نعمل بجد على امتلاك أدوات القوة الصلبة والناعمة، كي لا يهيننا أحد ولا يهين ديننا.

ظهر مؤخرا ما يسمى “بالديانة الإبراهيمية” والتي هي فكرة تقوم على قاعدة أن “جد الأنبياء إبراهيم قدوة لمعتنقي الإسلام واليهودية والمسيحية”، هل هي خدعة ومحاولة لنشر ثقافة دينية جديدة مصطنعة؟
– الصهيونية فقدت قدرتها على الانتصار على الشعب الفلسطيني، ولكنها لم تفقد قدرتها على تبديل قناعات الناس، وخاصة أنظمة التطبيع العربية وغير العربية، ولهذا فإن فكرة “الديانة الإبراهيمية” ما هي إلا استراتيجية اختراق للوعي الجمعي للأمة، بوسائل سياسية وفكرية؛ حيث تم فرض التطبيع من قبل الأنظمة المتخلفة المطبعة على شعوبها، ولم تختره الشعوب، ولكن التطبيع لن يجدي نفعا ما لم تتبدل قناعات الناس وتزل قداسة المعتقدات من قلوب المسلمين، وما لم تتزعزع قناعاتهم، وتنشأ قناعات أخرى تمهد لقبول الكيان الصهيوني الغاصب ضمن المنظومة العقدية والفكرية للمسلم.
وأطروحة “الديانة الإبراهيمية” أطروحة محرفة من بدايتها، فالنص الديني واضح في أن إبراهيم عليه السلام لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}[سورة آل عمران، 67]. غير أن هناك سعيا حثيثا لتبديل فهم الناس للقرآن وللسنة، وتبديل للثابت دينيا وقيميا وتاريخيا، من أجل أن يكون الكيان الغاصب مقبولا بيننا، وننسى أن فلسطين أرض الفلسطينيين، وأن هذا الكيان الصهيوني كيان غاصب، سيزول مهما طالت المدة.
وعلينا أن نعمل على المقاومة الثقافية رافدا مهما لبقية أنواع المقاومة الجارية في فلسطين خاصة وفي الأمة عامة، وأن لا نسمح باختطاف المقدسات، والحقائق، والقيم، ولا السماح بجعل الشاذ طبيعيا، فالكيان الصهيوني كيان شاذ في المنطقة، ولا يمكن أن يكون يوما طبيعيا.

إن أنماط الإصلاح متعددة، وقد بين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الإسلام أنه يُبعث على رأس كل مائة عام من يجدد للناس دينهم، فيكون الإصلاح والتجديد نوعا من الحتمية التاريخية، ماذا تقول في هذا الشأن؟
– نعم. حديث النبي صلى الله عليه وسلم في التجديد معروف، وكل من مارس الإصلاح رفع شعار هذا الحديث، ولكن لا يدل الحديث على أنه حتمية، بل قانون تاريخي، وسنة اجتماعية، في هذه الأمة، بحيث أن الأمة عندها هذا الاستعداد للتجديد والرجوع إلى أصول دينها وتصلح تدينها ووضعها. وهو ضمانة بأن الأمة لا تموت، ولكنه ليس ضمانة بحصول التجديد عشوائيا، وحتميا، دون سعي المسلمين للتجديد والإصلاح.
ولهذا ينبغي على أبناء أمتنا وبناتها أن ينظروا إلى الحديث على أنه قانون يحكم حركة الأمة في التاريخ، ليوفروا شروط تحقق هذا القانون، بأن يسعوا إلى العمل والتخطيط والبناء والتكوين وبذلك كل جهد لتحقيق التجديد والإصلاح كما بشرت بذلك السنة النبوية.

أشرفتم على تحرير كتب “سلسلة رواد وقضايا التجديد والإصلاح”، كلية الدراسات الإسلامية، جامعة حمد بن خليفة، وهي السلسلة التي أطلقها “مشروع عواصم النهضة” لتقييم تجربة التجديد والإصلاح في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر، وفتح آفاق نقدية للفكر الإسلامي وقضاياه من منظور حضاري، حدثنا عن هذا البحث؟
– هذا ليس بحثا بل هو مشروع اقترحته على كلية الدراسات الإسلامية في جامعة حمد بن خليفة، رفقة زملاء لي، وبخاصة لما توليت مركز الوسطية والتجديد فيها لمدة سنتين، حيث اشترطت على عميد الكلية أن يمنحني فرصة لأن نقوم بعملية تقييم لجهود رواد الإصلاح والتجديد في الأمة، لنستفيد من تجاربهم، ونعرف منجزاتهم، والاخفاقات التي لاقت هذه المشاريع، والصعوبات التي اعترضتها.
وكان ذلك بعد “المؤتمر الدولي بمناسبة الذكرى السبعين لكتاب شروط النهضة لمالك بن نبي رحمه الله” في فبراير 2019، الذي قمت –بحمد الله – بتنظيمه، حيث ترأست لجنته التنظيمية.
في هذا المؤتمر اقترحت على العميد أن يعلن في جلسته الافتتاحية عن “مشروع عواصم النهضة”، الذي لقى قبولا واستحسانا من مسؤولي الجامعة ومن الضيوف والحضور.
وهذا المشروع “عواصم النهضة” مشروع علمي فكري أكاديمي؛ يقوم على عدة محاور:
أولها: تشكيل لجنة استشارية من حوالي 15 جامعة من دول مختلفة في العالم الإسلامي، ينتمون إلى دول متعددة.
والثاني: أن يعقد بعد مؤتمر مالك بن نبي، مؤتمر كل سنتين في عاصمة من العواصم الإسلامية؛ وانطلقنا في تحديد خمسة عواصم: الدوحة، وكولالمبور، وإسلام أباد، وإسطنبول، وتونس. وكنا نخطط لدعوة عواصم أخرى.
والثالث: وضع برامج تدريبية للشباب على قضايا النهضة وبرامجها وقضاياها، ترافق تلك المؤتمرات ويختار لها الشباب المتميز من كل دول العالم الإسلامي.
والرابع: تأسيس برنامج بحوث حول قضايا النهضة يتضمن طلبة في الماجستير والدكتوراه، من تخصصات مختلفة، لدراسة قضايا النهضة؛ كل واحد حسب اختصاصه.
والخامس: جائزة كل سنتين لأفضل البحوث التي تتناول قضايا النهضة الحضارية في الأمة، وتقدم شيئا متميزا.
إضافة لهذا المشروع، كان هناك مشروع “سلسلة رواد وقضايا التجديد والإصلاح”، الذي كان سلسلة محكمة، نستكتب فيها شخصيات لها خبرة في قضية من قضايا النهضة، يرافقها استكتاب مفتوح للباحثين في العالم مهما كان تخصصهم، لتقييم تجارب التجديد والإصلاح في الأمة في العصر الحديث.
لكن للأسف، ككل المشاريع الطموحة في الأمة، لم تمض سنتان حتى وجدت كل المشروع أغلق، وتوقف كل شيء، ومازالت أرجو من الله أن يبعث المشروع من جديد.

اليوم لو نتحدث عن واقع العلوم الإسلامية من حيث الموقع البيداغوجي والمنهج والموضوع والمضمون ووسائل وطرائق التدريس ما هو تقييمكم؟
– العلوم الإسلامية اليوم تعاني التهميش الرسمي رغم ما يظهر من احتفاء شكلاني، حيث لا تعطى لها الأولوية، بل ويسجل فيها من لا تقبله التخصصات الأخرى، بالإضافة إلى محدودية مجالات التوظيف لخريجيها، مما يعد ظلما علميا وأخلاقيا ومهنيا.
كما أن العلوم الإسلامية، لم يراع في تدريسها ووضع مناهجها ومضامينها ما تختص به العلوم الإسلامية، بل تم ويتم تدريسها بمناهج العلوم الأخرى من حيث التخطيط للمقررات، والتخصصات، ومن حيث طريقة التدريس، ومن حيث فلسفة تدريسها والبحث فيها، كما أنها لم تطعم بمناهج العلوم الحديثة بطريقة تجعلها تحتفظ بأصالتها وتستفيد من خبرة المناهج الحديثة.
ولهذا فنحن في أمس الحاجة إلى بعث العلوم الإسلامية بمنهجية جديدة تحقق فعاليتها، وتعترف بخصوصيتها المعرفية والمنهجية، وبحاجتها على مناهج تتوافق مع مضامينها وعددها ومقاصدها، باعتبارها علوما معيارية.

إن جامعات إسلامية كثيرة عبر العالم تدرس إلى جانب علوم الشريعة علوما طبيعية وكونية وتقنية دون أن ترى في ذلك تنافيا مع رسالتها وتخصصها العلمي ما رأيك؟
– لا أرى مانعا من ذلك، فتراثنا العلمي لم يفرق بين تدريس علوم الشريعة وبين تدريس العلوم الأخرى، التي كانت تسمى علوم الآلة، لأنها تعتبر علوما مساعدة على البناء العلمي لطالب العلم الشرعي.
والأمر لا ينبغي أن يتم عشوائيا بل في إطار فلسفة تدريس واضحة، تقوم على التكامل بين العلوم، وتداخلها، وعلى تقدير ما هي العلوم المطلوبة لذاتها ضمن علوم الشريعة وما هي العلوم المساعدة أو علوم الالة، بحيث في علوم العقيدة مثلا نحتاج علوما حديثة مساعدة ينبغي تحديدها، وفي علوم الفقه نحتاج علوما أخرى، وفي علوم التفسير، وعلوم الحديث وهكذا.
بحيث يقوم على ذلك خبراء، بحيث تحتفظ العلوم الشرعية بصدارتها وقوتها وأصالتها، ولكن يتعلم معها الطالب علوما أخرى تفتح ذهنه على العالم، وتزوده بفهم لسقف المعرفة المعاصرة وأدواتها ومناهجها ومعطياتها.
ولا مناص من المناهج التكاملية والدراسات البينية، التي تجمع بين علوم الشريعة والعلوم الطبيعية والإنسانية والاجتماعية، لكي نبني علماء شرعيين لعصرنا، ولكن ليس بالتلفيق، ولا بازدراء العلوم الشرعية، بل عن طريق بناء تربوي مؤسس يقوم به خبراء في تخصصاتهم وخبراء في وضع المناهج التربوية.

إلى أيّ حدّ تستطيع العلوم الإسلامية في العصر الراهن الإجابة عن الأسئلة التي تؤرّق العقل المسلم؟
– العلوم الإسلامية إنما هي بطلبتها وعلمائها، فإذا أحسنا تكوينهم وفق فلسفة تعليم جديدة تستجيب لحاجاتنا وقضايانا، ومؤسسة على بناء قويم ومرجعية واضحة، فإن هذه العلوم تستطيع الإجابة عن الأسئلة المؤرقة الراهنة، أما إذا أبقينا الأمر بالطريقة التلفيقية الحالية، فإن النتائج ستكون هزيلة، والأمر ليس طعنا في العلوم الشرعية، ولكن الأمر يتعلق بكيف نبني علماء شرعيين.

كيف يمكن للمناهج التعليمية (محتوىً وطرائق) أن تُسهم في تكوين العقل الناقد، وتحصيل المناعة الفكرية لدى الطلبة والمتعلمين؟
– المناهج التعليمية من حيث المحتوى ومن حيث الطرائق تتطور حسب المرحلة الحضارية وحسب الظروف الفكرية والعلمية، ولهذا فتطويرها بشكل مستمر أمر بالغ الأهمية.
ولتحقيق بناء وتكوين عقل ناقد وتحصيل المناعة الفكرية، ينبغي بناء المناهج التعليمية بناء ينطلق من فلسفة تربية إسلامية لعصرنا، تضع القرآن في مركز المرجعية التربوية والفكرية، باعتبارها منبعا للمفاهيم والتصورات والقيم والنظم.
كما ينبغي بناء الرؤية الكلية التصورية لطلبتنا وفي مناهجنا بناء على ديننا، ووفق مناهج علمية حديثة، تواكب تطور المعرفة والمناهج، بحيث تخرج لنا شخصيات مستقلة، لها عقل نقدي، مشبعة بقيم الإسلام، حتى لا تقع في أول تواصل لها مع بقية النظم الفكرية والقيمية والثقافية.

وما السبيل لتقوم هذه العلوم بوظيفتها الرئيسة في إكساب المعرفة الضرورية التي تجمع بين النّص وحاجة الواقع؟
– السبيل إلى ذلك بأن تستعيد العلوم فلسفتها الأصيلة التي نشأت عليها أول مرة، وهو أنها علوم مؤسسة معرفيا ومرتبطة بواقعها تجيب عن انشغالاتها، وتواكب العصر في تطوير مناهجها.
كذلك ينبغي استعادة تكاملها؛ بحيث يتعلم الطالب تخصصه، مع تزويده بالعلوم الضرورية لبنائه الفكري والمنهجي، وتعريفه بحقول المعرفة المعاصرة، حتى لا يقع له اغتراب بجهله لها.
كما أن مكانة هذه العلوم يمكن استعادتها أيضا من خلال العناية بالتعليم وإعطائه الأولوية، والعناية بالأستاذ والمعلم والمربي، وعدم وضعهما في السلم الاجتماعي الأخير.

من بين إصداراتكم “الحضارة الغربية في الوعي الحضاري الإسلامي المعاصر أنموذج مالك بن نبي” حدثنا عن مضمون هذا الكتاب وأهم المحاور التي تطرقتم إليها؟
– هذا الكتاب جزء من رسالتي للماجستير التي أنجزتها في 1998، ونشرته “سلسلة كتاب الأمة” في قطر في سنة 2000. وهو يتناول دراسة رؤية مالك بن نبي للحضارة الغربية وخصائصها العامة كما تناولها بن نبي في إنتاجه الفكري، باعتبار أن جهوده انصبت على علاج المشكلة الحضارية في العالم الإسلامي بمختلف العوامل التي تتحكم فيها، والتي من بينها الغرب، فكان تركيز البحث على التحليل والنقد الذي قام به بن نبي للخصائص العامة للحضارة الغربية، التي تنظم الغرب وتميزه ككيان حضاري مستقل، وأهم هذه الخصائص التي رآها بن نبي في الغرب هي: العالمية المركزية، والمادية، والفعالية، والنزعة الجمالية.

لكم كتاب أيضا بعنوان: “راهنية فكر مالك بن نبي” حدثنا عن بحثكم في مشروع مالك بن نبي؟
– يمثل هذا الكتاب مجموعة بحوث وحوارات في فكر مالك بن نبي، تتناول أهمية فكره، ولماذا نحتاج فكره اليوم في مرحلتنا التي نعيشها، ورؤية مالك بن نبي لمعيقات النهضة وكيفية تجاوزها، ومركزية دور الدين في التحضر في العالم الإسلامي، ورؤية مالك بن نبي الاستشرافية في دور الشباب في مرحلة العولمة، وأطروحة مالك بن نبي في كيفية معرفة الغرب في سياق حضاري، إضافة إلى حوارات تتناول شخصيته وفكره وكيف نستفيد منها بناء مشروعنا الحضاري الإسلامي، وتفعيل فكره في واقعنا، والاستفادة منه في بناء تفكير سنني.

شكرا جزيلا دكتور، كلمة ختامية قل ما شئت ولمن شئت؟
– بودي أشكرك أستاذة فاطمة على إتاحة الفرصة لي لإجراء هذا الحوار، وللتواصل مع القراء، والإسهام في التنوير الفكري، ومناقشة قضايا الأمة بكل حرية والتزام.
كما أتمنى أن يصل هذا الحوار إلى القراء، وأن أتلقى تعليقاتهم وردودهم، وإضافاتهم، لتطوير بعض الأفكار التي جاءت موجزة في هذا الحوار، ومراجعة ما كان منها غير موفق أو غير دقيق.
وتحية إلى جريدة البصائر وطاقمها، وكل قرائها الكرام.
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية عشر − 2 =