أخبار عاجلة

الأمية المنهجية وتوابعها.. في ضوء منظور السننية الشاملة

 بقلم الدكتور الطيب برغوث

هذا عنوان مقال هام نشره البروفيسور علي عمار حسن الباحث الاجتماعي المعروف، ونقله عنه الدكتور محمد عوالمية في حسابه على الفيسبوك، وعلق عليه الأخ العزيز د. خليفي الشيخ الأستاذ بجامعة تلمسان بقوله ” الموضوع جيد في توصيف المشكل ( وهو أمر واقع قام الأستاذ ببيانه وإعلانه ) لكن عند تقديم البدائل والإجراءات العملية للخروج من الأزمة عاد بنا الأستاذ إلى التعميمات التي تولد في القارىء الشعور بالعجز واستحالة أن يتغير الوضع بهكذا توصيف.. لكن من الأفضل الانتقال من سؤال ماذا ؟ إلى سؤال كيف؟ بتقديم تجربة ناجحة ، أو اقتراح خطة عملية تضمنتها دراسة جادة … ما أقصده هنا أن على الأكاديميين والمثقفين العرب إذا أردوا أن ينهضوا بالتعليم وبأوطانهم وفي قضايا التنمية الحضارية الشاملة أن نبتعد قدر  المستطاع عن الحديث عنها بلغة المشاعر والعواطف إلى لغة مكملة ومتممة وهي تجسيدها في مناهج وبرامج والحرص على التبشير بها والدعوة إلى تبنيها والتعاون على التجديد فيها برؤية سننية كونية تراعي الموضوعية والواقعية والمرحلية … وهي أحد أبعاد السننية الشاملة … “.

وقد استفدت من مقالة البروفيسور علي عمار حسن بارك الله فيه،( أنظر المقالة هنا: https://www.facebook.com/100001364785399/posts/4989132094475567/) وأعجبني تعليق أخي د. خليفي، لأنه قرأ الموضوع من ” منظور السننية الشاملة “، وهو ما مكنه في نظري، من وضعه في حيزه المناسب، والتنبيه إلى أن كل هذه النواقص الفكرية أو المنهجية أو النفسية أو الروحية أو السلوكية أو الاجتماعية أو السياسية.. التي نعاني منها، والتي شخصها د. علي عمار في مقالته، ما هي في الحقيقة إلا أعراض لمعضلة كبرى وهي النظرة التجزيئية للظواهر، ومحاولة فهمها بمعزل عن المؤثرات المختلفة فيها، وهي كثيرة، وترجع إلى مجالات وساحات كثيرة متكاملة، يهملها الفكر المعاصر، بل ويحاصرها ولا يعترف بها! فيأتي الوصف والتحليل والتفسير لهذه الظواهر جزئيا كثير النواقص والثغرات، وهو ما يؤثر بشكل كبير على الأحكام، وما يبنى عليها من مواقف وخطط وسياسات وأعمال بعد ذلك.

    وأشاطره تماما في دعوته في نهاية التعليق إلى تبني منظور السننية الشاملة في عملية التجديد لأنه المنظور الذي يزودنا: ” برؤية سننية كونية تراعي الموضوعية والواقعية والمرحلية … وهي أحد أبعاد السننية الشاملة .. ” كما قال.

وهذه النظرة التكاملية والمتممة التي يدعو إليها الأخ العزيز د. خليفي، لا يمكنها أن تتحقق فعلا، إلا عبر الوعي ” بمنظور السننية الشاملة “، واعتماده في عملية الرصد والوصف والتحليل والتفسير والاستشراف لآفاق الظواهر، لأن ذلك وحده هو الذي يوفر المعطيات الشاملة والمتكاملة التي تمكننا من القراءات الموضوعية للظواهر، والفهم المتوازن لها، والتعامل الفعال معها. فالرؤى الجزئية لا تنتج إلا تشخيصات جزئية، وأحكاما جزئية، ومعالجات جزئية لظواهر ومشكلات ذات مؤثرات كلية، حتى وإن كانت هذه التشخيصات والمعالجات فعالة في ذاتها.

ولهذا فإن  السؤال الكبير المطروح على المقالة الهامة للدكتور علي عمار الباحث الاجتماعي المقتدر، وعلى كل جهد آخر يشخص الظواهر الجزئية المرضية منها والصحية أو الإيجابية، هو: من أين جاءت الاختلالات والنواقص المنهجية التي يتحدث عنها المقال؟ أو لماذا تحدث كل هذه النواقص في التفكير والسلوك والأداء عامة؟ وهي بالمناسبة نواقص واختلالات لا تخص واقع الفكر الإسلامي وحده، بل تخص واقع الفكر الإنساني عامة، لأنه فكر يعاني بدوره من كثير من التجزيئية والتنافرية الفكرية، وما تفرزه على المستوى التربوي والثقافي والسلوكي والاجتماعي والحضاري، من أوضاع يصفها المتعمقون في دراستها، بالسيولة والتفاهة والعدمية واللا إنسانية والازدواجية المنهكة.. ! وإن كان الكثير منهم يدور في دائرة التشخيص الجزئي لأسباب ذلك، ولا يذهب إلى عمقها، لا على مستوى التشخيص، ولا على مستوى الاستشراف والاستدراك، لأن المنهجية الجزئية المعاصرة المحكومة بمنظورات جزئية، لا تمكنه من ذلك، وفاقد الشيئ لا يعطيه كما يقال.

إن المنهجية والتفكير والسلوك والعمل والعلاقات.. هي نتيجة طبيعية للمنظور السنني الكوني الذي تصدر عنه، وهل هو منظور كلي أم جزئي؟ وسنني أم خرافي أم تلفيقي؟ فإذا كان منظورا سننيا كونيا مطابقا أو منسجما مع حقائق الوجود الإلهي والكوني والإنساني، فإنه يفرض على الإنسان الانفتاح على كل الساحات والمنظومات الكونية التي تتوزع فيها السنن المؤثرة على الحياة الإنسانية الفكرية والشعورية والروحية والسلوكية والأدائية والعلاقاتية..  وهذا دون شك يمكنه من النظرة الشاملة والمتكاملة والمتوازنة والموضوعية للظواهر إلى حد كبير.

ولهذا يعتبر منظور السننية الشاملة؛ أقوى وأقدر المنظورات السننية الكونية، على تمكين الإنسان من تحقيق الموضوعية والفعالية والتكاملية والتوازن في رؤيته للأمور وتفاعله معها، لأنه يفرض عليه الانفتاح على معطيات منظومة سنن الله في الوعي السنني الكوني الغائي الأم، الذي يجب أن تتحرك نحوه الحياة الإنسانية برمتها، ومعطيات منظومات سننه في الحركة الاستخلافية البشرية قوة وصعودا، وضعفا وتقهقرا، ومعطيات منظومات سننه في الوعي والإمكان التسخيري الشامل لسنن الله في الآفاق والأنفس والهداية والتأييد، ومعطيات منظومات سننه في الوعي الوقائي الشامل الاستباقي منه والمرافق والاستدراكي.

فالانفتاح على منظور السننية الشاملة، والاستفادة من معطياته، هو الذي سيمكن مجتمعاتنا من تجاوز هذه الأمية المنهجية، والأمية الفكرية، والأمية الثقافية، والأمية السلوكية، والأمية الاجتماعية، والأمية السياسية.. التي يتحدث عنها د. علي عمار حسن من خلال مقالته الهامة عن الأمية المنهجية، أما غير ذلك فهو دوران في نفس مربعات الأزمة الفكرية والثقافية الإسلامية والإنسانية المعيشة، التي لا يمكنها أن تنتج تغييرا ونقلة حقيقية في الوضع الفكري والنفسي والسلوكي والأخلاقي والحضاري الإسلامي والإنساني، لأن التغيير الحقيقي يقتضي شمولية الرؤية وتكامليتها وتوازنيتها وانسجامها مع حقائق الوجود الإلهي والكوني والإنساني، وهذا لا تتيحه لنا المنظورات السننية الكونية الجزئية المهيمنة على الوعي والحركة الإنسانيين المعاصرين.

فبالرغم مما تتوق إليه هذه المنظورات الجزئية من موضوعية وحيادية وواقعية وفعالية.. في نظرتها إلى الواقع والتعامل معه، إلا أن الواقع الفكري والمنهجي والسلوكي والأدائي، يشير إلى انحيازات وتحكمات كثيرة مناقضة لمنطق  الموضوعية والمصلحية الحقيقية المتوازنة المنشودة، لأن الموضوعية ليست مجرد تقنيات إجرائية جامدة، بل هي محصلة لعوامل ومؤثرات شتى موزعة في ساحات كونية عديدة، إذا اجتمعت لأي عمل أو موقف منحته مستوى معينا من الموضوعية والمصلحية المرجوة، أما إذا لم تجتمع فيه، فإنه سوف لن يكتسب الموضوعية المطلوبة، ولن يحقق المصلحية الحقيقية المتوازنة، وسيعاني من التحيز والتجيير والتحكم، ويفقد الكثير من مصداقيته العلمية والعملية، حتى ولو اتسم في بعض مراحله أو جوانبه بالموضوعية، لأن العبرة بالنتيجة والمآلية كما يقال، ولذلك كثيرا ما نجد أعمالا علمية تستند على مقدمات واحدة، ولكنها تنتهي إلى نتائج متباينة وربما متناقضة! بسبب تأثير المنظورات الكونية الجزئية في عملية التفسير والاستشراف والتوجيه والاستثمار.

وأعجبني في هذا السياق مثال معبر جدا، أجاب به مسن جزائري عامي، عن سؤال طرحه عليه أحد الصحافيين في نهاية ثمانينات القرن الماضي، عندما خاض المجتمع الجزائري أول تجربة له في التعددية السياسية والثقافية على طريق الحياة الديمقراطية المنشودة، وعجت الساحة الوطنية بالأحزاب والجمعيات، واحتدت الجدالات السياسية والفكرية والثقافية بل والاجتماعية.. وكان السؤال هو: يا عمي الحاج ما رأيك في التجربة الديمقراطية الحالية؟ فصمت قليلا وأغمض عينيه، هنيهة، وسرح بذهنه بعيدا في تجربته الطويلة في الحياة، ثم فتحهما وقال له: ” قلنالهم بدلونا المرقة أو الماكلة لقديمة، راحوا بدلونا لمغارف!!  ” ! أي طلبنا منهم أن يغيروا لنا المرق والأكل القديم الذي شبعنا ومللنا منه، وتسبب لنا في أمراض مزمنة فتاكة، فغيروا لنا الملاحق لنأكل بها  نفس الأكل القديم الموبوء!

وهو مثال اختزل به هذا الشيخ الجزائري الحكيم، معضلة كبيرة من معضلات الحياة الإنسانية عامة، وهي معضلة التجديد الشامل والعميق والمستمر ، الذي لا تستقيم الحياة إلا به، لأنه سنة مركزية لهذه الحياة. فمن يجدد نفسه تجديدا شاملا وعميقا ومستمرا، تتجدد فعالية مدافعته الروحية والثقافية والاجتماعية، ويحقق نهضته ومداولته  الحضارية، ومن تستغرقه التغييرات الجزئية السطحية المظهرية الآنية، تتنافر قواه وتهتلك ذاتيا، وتضعف فعالية مدافعته الروحية والثقافية والاجتماعية، ويحرم من تحقيق نهضته ومداولته الحضارية، وتدفع به حركة المدافعة والمداولة الحضارية من حوله، نحو مهالك الغثائية والتبعية والاستباحية الحضارية ليذوق وبال جهله بسنن التجديد الحضاري الشامل.

وهذا ما ينطبق على المنظورات السننية الكونية الجزئية، فإنها لا تستطيع بطبيعتها الذاتية الجزئية، أن تحدث تغييرا وتجديدا كليا حقيقيا، لا في المنهجية ولا في الفكر ولا في الأحوال النفسية والروحية والسلوكية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية والحضارية القائمة، لأن كل هذه المطالب والحاجات مترابطة ويؤثر بعضها في بعض، ويخدم بعضها بعضا، فإذا لم نضع حركة التغيير والتجديد والإصلاح على أرضية منظور السننية الشاملة، فإن كل هذه الجهود ستكون بلا جدوى حقيقية، لأنها تقوم على أرضية مفككة سائلة متصادمة وغير مترابطة، وقديما قال الشاعر:

متى يبلغ البنيان تمامه      إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم

ولهذا كله، أرى بأن نشر الوعي بمنظور السننية الشاملة، هو مدخلنا إلى الموضوعية والمصلحية والفعالية المتوازنة، والتغيير والتجديد والإصلاح الحقيقي، أي أنه هو قدرنا في تحقيق النهضة الحضارية المتوازنة، التي تحررنا من الاستلاب والغثائية والتبعية والاستباحة الحضارية المذلة والمنهكة، وتعطي حياتنا روحا جديدة، وطعما جديدا مفعما بالخيرية والبركة والرحمة العامة. إن شاء الله.

وما أحكم وأعظم وأقوى ما نبه إليه القرأن في هذا المجال، حينما دعا إلى النظرة الموضوعية العلمية المتوازنة لظواهر الحياة وحقائقها، مؤسسا بذلك لمنهج المعرفية الشمولية التكاملية المتوازنة، في مثل قوله تعالى: ( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً )[الإسراء : 36]. فنفي شيئ أو إثباته، والانحياز لشيئ أو ضده، يجب أن يكون وفق المعطيات التي يزودنا بها انفتاحنا على كل الساحات والمنظومات الكونية التي تتوع فيها سنن الله تعالى في الحياة، وليس على بعضها فقط. وهذا لا يتيحه لنا إلا الوعي بمنظور السننية الشاملة، والاستفادة من كل معطياته التي تتوفر لنا.

وهذا الانفتاح الشامل والمتكامل والمتوازن على معطيات منظور السننية الشاملة في ساحاتها المختلفة، هو رسالة النخبة في مجتمعنا وأمتنا، بل ومسئوليتها الكبرى، وامتحانها الكبير بل والعسير! والله سبحانه وتعالى علمنا أنه سبحان لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فمن غير نفسه، فإنه بإمكانه تغيير التاريخ. قال سبحانه: ( إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ )[الرعد : 11].

فتوازن الفهم والأداء وفعاليتهما وخيريتهما وبركتهما ورحمتهما العامة، منوط بهذه السننية الشاملة التي ما وجدت النخب إلا من أجل البحث عنها وإتاحتها للناس حتى يستفيدوا منها في إدارة حياتهم بشكل صحيح وآمن وفعال.

2 تعليقات

  1. بارك الله في الأساتذة الأفاضل وفي الدكتور الطيب برغوث على اختياره لهذه المواضيع المفصلية، وأود أن أدلي برأي أو فكرة في الموضوع، فما كتبه الأستاذ المصري هو توصيف للمشكلة لا يخلو من التجزيئية أيضا كما قال الأستاذ خلف، والأمر إذا أردنا فهمه من منظور تحت سنني بقليل يعود إلى منظورنا نحو المعرفة وفي كيفية تشكلها وبنائها والاستفادة منها، فالأمية المنهجية كما أسماها الأستاذ نابعه من موقفنا الابستمولوجي من المعرفة كيف ننظر إليها من الناحية الأنطولوجية، ومن الناحية الأبستمولوجية والمنهجية وغيرها ثم في كيفية توظيفنا لها، فما نراه من ظواهر تتعلق بتعاملنا مع المعرفة الأكاديمية هو حصيلة منظور معرفي ثقافي يعتبر المعرفة شيئا مسطحا ماديا أو قشريا غير مرتبط، يمكن نزعه واستبداله والسفر به، وليس كعملية عقلية وفكرية ذات محتوى ووظائف متميزة يجب التعامل بها تختلف عن طرق التعامل مع الأشياء والمسطحات، فالنسخ واللصق والنقل والرصف في رسائل الماستر والدكتوراه ، يعود إلى اعتبار المعرفة المنتجة منفصلة عن سياقاتها الثقافية ومنفصلة عن العمليات العقلية التي أنتجتها، ومتفصلة عن المؤسسة الأكاديمية التي تنظر بنفس الطريقة إليها فتحولها بسهولة إلى شهادة جامعية والتي تتحول في المجتمع إلى وظيفة بنفس السهولة والسطحية ثم إلى ورقة نقدية، وهذا المسار القشري هو حالة حضارية مترهلة وغثائية معرفة لا فكاك منها والله أعلم.

  2. ميزة منظور السننية الشاملة، أو احدى أقوى مزاياها بلاشك كما أفاد فضيلة د. الطيب، هو المنظور العقائدي الاستراتيجي الموضوعي لمشروع النهضة العربية الإسلامية. لكن كأي نموذج فكري ارشادي نافع Paradigm يحتاج الى جانب الرؤية الشاملة للعالم Worldview يحتاج الى تحديد محركات النهضة وخططها وتقنياتها وأدواتها وتطبيقاتها على مستوى القمة والقاعدة والراعي والرعية (سؤال: كيف؟)، وهي حسب ما أرى ينبغي أن تقع بتفصيل واف ضمن سنن الأنفس (السنن الاجتماعية) ومضامينها على السياسة العامة وبرامج التنمية وخططها وتدابيرها التنفيذية. د. جمال الحمصي، مؤلف كتاب: علم القرآن التنموي: أعظم عشرة قوانين حاكمة لنهضة المجتمعات والدول (تقديم فضيلة د. أحمد نوفل).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × 5 =