الدكتور الطيب برغوث
هذه رسالة كنت قد وجهتها للدكتورة الفاضلة (فلة. ب)، تنويها بالمشروع الذي تقدمت به منذ مدة إلى أكاديمية الثقافة السننية للتجديد الحضاري، وتثمينا للروح الرسالية الوطنية العالية التي تتوهج في نفسها، وتدفع بها إلى البحث الدائب عن سبل مواجهة وضع اللامبالاة وحالة السيولة الفكرية والنفسية والسلوكية التي تعاني منها فئات كثيرة من أجيال المجتمع، وخاصة الأجيال الطلابية الثانوية والجامعية التي هي عدَّة وأمل مستقبل المجتمع والأمة، والتي إذا صلحت صلح مستقبلهما وتأمَّن بإذن الله، وإذا استمرت حالة لا مبالاتها وتيهانها وغثائيتها، انخرب مستقبلهما وتعمق ضعفهما وغثائيتهما وتبعيتهما واستباحتهما الحضارية لا قدر الله!
ولما كانت هذه الرسالة تحمل في ثناياها جوابا عن انشغالاتِ وأسئلة كثير من المهتمين بمشروع أكاديمية الثقافة السننية للتجديد الحضاري، ومقاصده وأولوياته الاستراتيجية، ومنهجية عمله، فقد رأيت أن أنشرها كاملة، مع بعض التكييف الذي أستوعب به الجواب عن بقية الملاحظات والأسئلة والانشغالات المهمة التي طرحها علينا الأخ الفاضل الدكتور قاسم حجاج في رسالة تقييمية مطولة لمشروع الأكاديمية، وكذلك ملاحظات وانشغالات وأسئلة غيره من الأفاضل والفاضلات الذين تشرفنا وما نزال نتشرف بتلقي رسائلهم المتنوعة.
فهذه رسالة إلى كل المهتمين بمشروع الأكاديمية، وليس للأستاذة الفاضلة فحسب، وإن كانت قد وجهت إليها ابتداء.
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته د. فلة الفاضلة، وكل الفاضلات والفضلاء الذين يعنيهم مشروع أكاديمية الثقافة السننية للتجديد الحضاري، ويعنيهم قبل ذلك وبعده أمر نهضة مجتمعنا وأمتنا، باعتبار ذلك هو قدرنا في أمن فكري وثقافي ونفسي وروحي واجتماعي وحضاري، وحياة كريمة شريفة مفعمة بالخيرية والبركة والرحمة العامة، تمهد طريقنا إلى حياة أخروية أعدَّ فيها للصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كما جاء في الحديث النبوي الشريف. .
معضلة هدر المشاريع الجادة وحرمان المجتمع من خيريتها وبركتها ورحمتها العامة: ما شاء الله مقترحك لتحفيز القراءة والبحث والحيوية الحركية لدى الطلبة مهم جدا، سأتأمل فيه مع الإخوة في الأكاديمية بحول الله تعالى ونحن في حاجة إلى أمثالكم للنهوض بهذه الأكاديمية التي تطرح مشروعا فكريا وتربويا وثقافيا جذريا، يحرص على المساهمة في توفير الشروط المعرفية والمنهجية والنفسية والروحية والأخلاقية والاجتماعية… التي تمكن الأفراد والمجتمع من تحقيق مثل هذه المشاريع التي تطرحينها أنت وغيرك من العلماء والخبراء على مستوى المجتمع والأمة عامة، ولكن لا يستفيد منها كثيرا لا الأفراد ولا المجتمع، مع الأسف الشديد، بسبب الاضطراب الفكري والنفسي والسلوكي في موازين الأولويات أولا، وتشتت واضطراب وضعف الإرادة الواعية التي تمكن الفرد والدولة والمجتمع من تجسيد هذه الأولويات في واقع الحياة ثانيا.
أهمية الوعي بالأولويات الاستراتيجية في حياة الأفراد والمجتمعات: فالوعي بالأولويات الاستراتيجية المؤثرة على ما بعدها من الأولويات الجزئية أو الظرفية، وشحذ الإرادة النفسية والروحية والأخلاقية والاجتماعية الرسالية، التي تصبر وتصابر على تحقيق تلك الأولويات في أرض الواقع أولا بأول، هو ما ينقصنا، وتفتقر إليه شروط نهضتنا الحضارية فعلا، وهذا ما يقع في عمق أولويات الأكاديمية، وتريد التركيز على المساهمة فيه بالدرجة الأولى، تعزيزا لبقية الجهود الفردية والمؤسساتية الوطنية المرابطة في هذه الساحة أو الجبهة الأساسية المفصلية في حياة الأفراد وحركة الدولة والمجتمعات.
أهمية الوعي بجذور المشكلات ومنابعها: إن جزءا مهما من اهتماماتنا وأولوياتنا الفردية والوطنية العامة، يجب أن ينصب على جذر المشكلات في حياة الأفراد والمجتمع، وهو معضلة المنظورات الكونية الجزئية التي تحكم حياتنا وتطبعها بالكثير من التجزيئية والتنافرية والاهتلاكية المنهكة، والتراوحية المزمنة في المكان! التي تحوِّل الكثير من المشاريع والإمكانات والكفاءات والخبرات والفرص.. إلى عدم أو شبه عدم اجتماعي وحضاري! لأنها لا تقوم على أرضية معرفية ونفسية وروحية وسلوكية متوازنة ومتكاملة، تحتضن المشاريع، وتستثمر الأوقات والإمكانات والفرص والجهود، بالكفاءة والفعالية والرسالية المطلوبة، وتضمن لها النمو والديمومة والمردودية الاجتماعية المطلوبة.
فنحن كمجتمع وكأمة لا تنقصنا الإمكانات والطاقات والكفاءات والخبرات والفرص.. ولكن تنقصنا الرؤية والإرادة المنسجمة مع سنن الله في الخلق، لكي تفعِّل تلك الإمكانات والجهود والأوقات والفرص والخبرات.. بطريقة صحيحة وفعالة وتكاملية ونافعة، وذلك لا يمكن أن يتوفر إلا إذا أعدنا ترميم منظوراتنا الكونية المرجعية، وخلصناها من المناقضة لحقائق الوجود الإلهي والكوني والإنساني وسننه، ومن سيولة وتذرذر الإرادة، وتنافرية الجهود واهتلاكيتها المزمنة، وهو ما يجب أن نركز عليه جزءا مهما من تفكيرنا، واهتمامنا، وجهدنا الفردي والجماعي، لنمسك بمفاصل المشكلات والحلول معنا، ونتخلص من التحليلات والتفسيرات والحلول الظرفية والسطحية التي تأسرها أعراض المشكلات وتستحوذ عيلها!
الأهمية المحورية البالغة للوعي بمنظور السننية الشاملة: الخروج من هذه الدوامة المنهكة، لا يمكنه أن يتم إلا من خلال عملنا الجدي على نشر الوعي بمنظور السننية الشاملة، وتحويله إلى معرفة ومنهجية وثقافة عامة لدى الأفراد والمجتمع، لأنه المنظور الذي يمكِّننا من الانفتاح على كل الساحات الكونية التي تتوزع فيها سنن الله في الحياة، ويعيننا على استثمارها بشكل شامل ومتكامل في إدارة حياتنا الفكرية والثقافية والسلوكية والاجتماعية والسياسية والحضارية عامة، التي سيرتفع منسوب فعاليتها وخيريتها وبركتها ورحمتها العامة بشكل غير عادي.
إن منظور السننية الشاملة يمنحنا فعالية فكرية وروحية ونفسية وسلوكية واجتماعية غير عادية، لأنه يمكننا من حركة ذاتية واجتماعية ذات دفع رباعي متكامل، مستمد من استثمار معطيات منظومات سنن الله في الآفاق والأنفس والهداية والتأييد جميعا، التي يغطي كل منها جانبا من جوانب الحياة الإنسانية، ويلبي ضرورياته وحاجياته وتحسينياته، فإذا أخذ بكل هذه المنظومات، واستثمرت معطياتها بشكل متكامل، فإنها سترفع الفعالية الاجتماعية للأفراد والمجتمع إلى أعلى مستوياتها.
على خلاف المنظورات الكونية المرجعية الجزئية المهيمنة على حياة وحركة كثير من الأفراد والدول والمجتمعات عبر التاريخ، فإنها لا توفر لهم قوة الدفع الرباعي المتكامل، لأنها لا تستثمر من معطيات منظومات سنن التسخير الكونية الأربع المتاحة لها، إلا منظومة أو منظومتين، وهو ما لا يسمح لها بتغطية وتلبية كل جوانب وحاجات الحياة الأخرى، ولذلك يأتي دفعها ومردودها مضطربا ومتنافرا ومنهكا، وشحيح الخيرية والبركة والرحمة العامة.
أولوية أكاديمية الثقافة السننية للتجديد الحضاري: وهذا المنظور أي منظور السننية الشاملة، هو ما سيتمحور حوله مشروع أكاديمية الثقافة السننية للتجديد الحضاري بحول الله تعالى، وأرجو أن تكوني وغيرك من نخبتنا الفكرية والاجتماعية والسياسية ممن يقيمون هذا المشروع على سوقه بحول الله تعالى، لكي نوفر للفرد والمجتمع والدولة والأمة، شروط الاستفادة من الكفاءات والخبرات والإمكانات والفرص الهائلة في مجتمعنا وأمتنا والعالم.
فنحن كأفراد ومجتمعات ودول وأمة بل وإنسانية، بوضعنا وواقعنا المعيش، نتحرك على أرضية فيها الكثير من المناقضة لحقائق الوجود الإلهي والكوني والإنساني وسننه، ولذلك لا نرى أثرا خيرا ومباركا ورحمانيا في كثير من جهودنا، وما في بعض جهودنا من فعالية وخيرية وبركة ورحمة، تُغيِّبه أو تشوهه هذه المناقضة، وتسلب منه بعض بركته، لأن هناك حلقة مفقودة في الأرضية التي نتحرك عليها كأفراد وكمجتمعات ودول وأمم وحضارات.. وهي أم الحلقات التي يرتكز عليها كل ما بعدها من الحلقات الأخرى في حياتنا الإنسانية، وهي حلقة منظور السننية الشاملة، فإذا لم يتم تصحيح وضعها جيدا، وبناء علاقة معرفية وتسخيرية صحيحة بها، فإن أوضاع الأفراد والمجتمعات والدول.. لا تتغير كثيرا نحو ما هو مطلوب، وستظل تدور في دوامة التجزيئية والتنافرية والاهتلاكية الذاتية والاجتماعية المنهكة والمهلكة.
النهضة الحضارية جهد جماعي تكاملي مستمر: ولما كانت النهضة الحضارية هي قدرنا في حياة كريمة أولا، وفي أمن ثقافي واجتماعي وحضاري مستقر ثانيا، وفي المساهمة في تحقيق الإشعاع الحضاري على محيطنا وفي عالمنا ثالثا، وفي تهيئة حياتنا الأخروية الكريمة رابعا، وكان هذا كله يحتاج إلى جهد جماعي مجتمعي متكامل ومستمر، فإن الأكاديمية تؤمن بأنها لا تمثل إلا جزءا بسيطا من هذا الجهد الضخم الذي يحتاجه المجتمع لتحقيق كل الأهداف السابقة، وأن مساهمتها في المجهود الوطني والإسلامي والإنساني الكلي، ما هو إلا حلقة في سلسلة طويلة من الحلقات، ولبنة في بنيان ضخم يجب أن يُشادَ ويُقام، وتتكاتف فيه الجهود وتتكامل، ويعضد بعضها بعضا بشكل مستمر.
ومن هذه المنطلقات والقناعات، فإن الأكاديمية وإن كان طموحها كبيرا، ومشروعها شاملا، إلا أنها تتحرك نحوه بمنطق المساهمة التكاملية، أي أنها تحرص دوما على وضع جهدها المحدود، في تكامل مع بقية الجهود الوطنية الأخرى، الشعبية والرسمية، الفردية والجماعية، الفكرية والثقافية، والاجتماعية والسياسية.. وتتجنب الصدام معها، أو التقليل من قيمتها، أو التأثير السلبي عليها، ما دامت تصب في مسار تعزيز شروط نهضة المجتمع والأمة، ولا تهدر هذه الشروط، أو تؤثر سلبا عليها وعلى مسيرة هذه النهضة التي هي مسئولية الجميع، كل في موقعه، وبما يستطيع.
إن إشاعة الوعي بمنطق المساهمة التكاملية، وتحويله إلى وعي ومنهجية وثقافة عامة، هو الذي سيمكن الجهد الوطني الكلي من الفعالية المطلوبة، لأنه منطق ينهي الاحتكار والإدعاء والنزوع الهيمني، ويعمق الجهد النوعي المركز، ويفرض التكاملية بين هذه الجهود النوعية المتخصصة، ويرسخ الشعور بالحاجة إلى كل جهد من هذه الجهود لدى الجميع، ويدفع بالجميع إلى الحرص على نجاح أو إنجاح الجهود الأخرى، لأن في نجاحها نجاح للجميع، وتعزيز لفعالية الجهد الوطني أو المجتمعي العام، الذي هو وحده الكفيل بتحقيق نهضة المجتمع، وحماية مصالح جميع مواطنيه.
ونحن في الأكاديمية نؤمن بهذا، ونجتهد في أخذ أنفسنا به، والمساهمة في بناء الوعي به وتعميمه في المجتمع، عالمين بأن جهدنا وحده لا يجدي نفعا، كما أن جهد غيرنا وحده لا يجدي نفعا كذلك، وإنما الجدوى والمنفعة الحقيقية تحصل بتكامل كل هذه الجهود، واستمراريتها، وتحقيقها للتراكمية البنائية النوعية المطلوبة.
وهذا المنطق التكاملي هو الذي دعا إليه القرآن الكريم وعزز العناية الشديدة به، في مثل قوله تعالى: ( وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ )[المائدة : 2].
وفقك الله وحفظك ونفع بك نفسك ومجتمعك وأمتك.
أخوكم ومحبكم الطيب
السننية أكاديمية الثقافة السننية للتجديد الحضاري