بقلم: د. صحراوي مقلاتي
أستاذ بكلية العلوم الإسلامية بجامعة باتنة-1-الحاج لخضر
مقدمة
يصنف ابن خلدون ضمن المفكرين المسلمين ذوي المنهج الاستقرائي في التفكير، خلافا للكثير ممن يشتغل في حقل العلوم الإسلامية والفلسفة وغيرها، من ذوي العقل الاستنباطي، مما مكنه من التوصل من خلال استقراء الوقائع التاريخية، وأحوال العمران البشري وأطواره، أن يقف على مجموعة من القوانين تحكم حركة التاريخ، ويجد تفسيرا علميا مقنعا إلى حد ما، لكثير من الظواهر الاجتماعية والسياسية التي شهدها الفضاء العربي الإسلامي في عهده.
في هذه الورقة سنحاول أن نقف على منهجية ابن خلدون في صياغة بعض قوانين الاجتماع البشري، ونقارن بينه وبين غيره ممن جاء بعده من المؤرخين الغربيين الذين أسسوا لفلسفة التاريخ تأسيسا مستقلا، أو ممن كتب كتابة مستقلة في هذا المضمار، ونناقش بعضا من الأكاديميين العرب المعاصرين الذين لم ينصفوه في هذا المجال.
وفي هذا الموضوع سنتناول العناصر الآتية:
تعريف القوانين الاجتماعية
هل هناك قوانين اجتماعية؟
تأصيل بعض القوانين الاجتماعية التي ذكرها ابن خلدون
1- الظلم مؤذن بخراب العمران مجالات سريان هذا القانون
2- الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم
3- تلازم الترف -شيوع المنكر- وخراب الأمم.
4- المغلوب مولع بتقليد الغالب
تعريف القوانين الاجتماعية
هناك من حاول تعريف القوانين الاجتماعية؛ بل وجعل منها الغرض المتوخى من العلوم الاجتماعية التي تدرس المجتمع، وإن لم تكن الغرض الأساس فهي الغرض الرئيس من العلوم الاجتماعية، والقرآن الكريم مملوء بالسنن والقوانين الاجتماعية التي تحكم حركة التاريخ والحراك الاجتماعي بصفة عامة، وممن استفاد من المعين القرآني في صياغاته الاجتماعية واستنتاجاته المعرفية، من خلال استخدام المنهج الاستقرائي أساسا، ومن خلال الجمع بين الاستقراء والاستنباط والتعليل من جهة ثانية، هو العلامة ابن خلدون حيث نجده:
أ) إما يستخدم التعميم generalization وتأتي النتيجة بعد التتبع والاستقصاء واستحضار ما يمكن أن يرد على خاطره من الحوادث والوقائع، حتى يعجز عن الإتيان بالمزيد ويُعقِب على ذلك بقوله تعالى”سنة الله التي خلت في عباده[1].
ب) أو يلجأ إلى الاقتباس من القرآن الكريم عمومات تدل على قصده كما في قوله: “الظلم مؤذن بخراب العمران”، وهي مأخوذ ة مباشرة من القرآن الكريم كما في قوله تعالى: (وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ذكرى وما كنا ظالمين)، وفي هذه الحالة لا يلجأ إلى حشد الوقائع، وإنما يكتفي بإيراد المثل والمثلين ليتم المطلوب، فجعل من الوحي سندا ومرتكزا يستغني به عن إيراد الأمثلة الكثيرة والوقائع المتعددة.
هل هناك قوانين اجتماعية؟
هناك من الاجتماعيين من لا يرى أن هناك قوانين اجتماعية أصلا، وبالتالي فما أورده ابن خلدون ما هي إلا تعميمات محكومة بالأنموذج المعرفي “الباراديغم” paradigm، والبارديغمات ما هي إلا رؤى معرفية يغلب عليها الطابع الشخصي مهما ادعى صاحبها من الموضوعية، وإن الظواهر البشرية مهما بلغ الباحثون من الجهد في رصدها تبقى كل تلك الاستنتاجات آنية أو جزئية، ولا يمكن أن نجري فيها الاستقراء التام.
وفي الحقيقة هذا تطرف في ردة الفعل على علماء الاجتماع في أواسط القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، الذين استعاروا نفس قوانين الظواهر الطبيعية وطبقوها على الظواهر الاجتماعية، ولم يلحظوا الفروق الضرورية المميزة لكل ظاهرة والوقوع في الاستعارات الميكانيكية والعضوية من أجل تفسير الظواهر[2]؛ بل وهذا جريا على سنن دوركايم المؤسس لهذا العلم حيث عنون في بداية كتابه”علم الاجتماع” عنوانا، هو وجوب اعتبار الظاهرة الاجتماعية شيئا، ومع ظهور مناهج النقد الحديث مثل التفكيكية، تُجُوِز هذا الأمر وأصبح ينظر إلى الظاهرة الاجتماعية بشيء من الاعتدال، والانتهاء من الوثوقية المفرطة، وخاصة بعد ظهور المنطق المائع الذي أخرج العقل الغربي من الحديات واليقينيات الزائفة في القضايا الطبيعية نفسها فضلا عن القضايا والظواهر الإنسانية.
وبالتالي فعلم الاجتماع له هذه المراحل الثلاث”[3]:
فالعالم الاجتماعي:
أولًا: يلاحظ الاجتماع، ويدقق في سير الأمور المرتبطة به تدقيق ملاحظة وإحصاء وكشف، لا تدقيق تجربة وعمل، إذ الاجتماع لا ينفعل وإنما يفعل بخلاف من يجرب دواءً فإنه يجربه بالفعل، أي يزرعه، ويسقيه ماءاً زائداً أو ناقصاً، ويقطعه ويعطيه لحيوان ليرى أثره فيه، إلى غير ذلك، فعلم الاجتماع داخل في سلسلة العلوم الانفعالية أي: [أن العالم يلاحظ] لا العلوم [الفعلية] فـ[إن العالم الاجتماعي لا يفعل ولا يجرب].
وثانياً: يدرك القوانين المطلقة، مثل: قانون [الحسن يحسنه الاجتماع] و[القبيح يقبحه الاجتماع] وأنه [كلما ارتفعت ثقافة الناس ارتفع اقتصادهم] و[كلما تحسن أخلاق الاجتماع تقدمت ســائر شؤونهم] أو المــقيدة -أي بزمان أو مكان خاصين- مثل: [الولادة في الأرياف أكثر من الولادة في المدن] و[الثقافة في المدن أكثر من الثقافة في الأرياف] حيث أنه لا تلازم بين الأمرين، وإنما الحكم كذلك غالباً، في جملة من المدن والأرياف، لأسباب خاصة سببت هذا الاختلاف.
ثالثاً: يضع عالم الاجتماع القوانين المكتشفة في مدونات خاصة، مرتبة عمودياً وأفقياً، ويخرج علم الاجتماع إلى الظهور…، وقد كان علم الاجتماع قليلاً أو كثيراً منذ القديم منتشراً في الكتب، ثم في القرون الأخيرة وضعت له كتب وقواعد وما أشبه ذلك، شأنه شأن سائر العلوم، التي كانت منتشرة ثم جمعت في مدونات خاصة، وتكاملت بكثرة البحث والمطالعة.
فالغرض من هذا العلم: كشف القوانين الاجتماعية العامة أو الخاصة[4]، لأجل معرفة الخطأ والصواب في الاجتماع، حتى يمكن انتشال الاجتماع المتأخر بترشيده الفكري ليعرف مواقع خطئه فيتجنبها، ولحفظ الاجتماع المتقدم عن الانحطاط بممارسة المناهج الصحيحة دائماً، ولحث الاجتماع المتقدم للمزيد من التقدم.
وبذلك ظهر تعريف علم الاجتماع بأنه معرفة القوانين الحاكمة على الحياة البشرية من حيث الاجتماع.
وابن خلدون لم يكن بدعا من هذا؛ بل كان ممن وصل إلى تعميمات أغلبية وقد وصفها الأستاذ الساعاتي بـ”التعميمات الحذرة”[5]؛ لأنه لم يكن يجزم بهذا، إدراكا منه أنه لم يحط بكل جوانب الظواهر، وأنه لم ينتبه إلى بعضها، وهذا من طبائع البشر خاصة وأنه هو المبتدئ ولم يسبق إلى مثل هذا الأمر من قبل، حتى يكون له تراكم كاف ليختبره ويطور من أدواته المعرفية التي يرصد به ويحلل ويستنتج بها، فحسبه أنه ابتدأ الطريق بل وأبدع فيه[6]،
وما استقر عليه سوروكين أن الظواهر الاجتماعية التي تزيد عن مائة سنة لا يمكن تكميمها حتى وإن قلت متغيراتها وعواملها وفق السلاسل الزمنية؛ بل يصبح تفسيرها ضربا من ضروب الغيب لا يضطلع به إلا الوحي أو الفلسفة.
بناء على ما سبق من المعطيات، لا يمكن أن نتجاهل أن هناك قوانين اجتماعية ولكن مثلما قرر ابن نبي أن السنة في الاجتماعيات ليست صارمة كما في الطبيعيات، وبالتالي لا حتمية إذ هناك مجال للاحتمال والإمكان.
تأصيل القوانين الاجتماعية عند ابن خلدون:
أ) دور الوحي في صياغة القوانين الاجتماعية:
لقد أفاد ابن خلدون من ثقافته القرآنية كثيرا في صياغاته لما جاء به من القوانين الاجتماعية التي تحكم الحراك التاريخي وبتأملاته الدقيقة، رأى أن هناك ظواهر اجتماعية تتحكم فيها أسباب، وأنه كلما تكررت تلكم الآسباب تكررت تلكم الظواهر، وإن اختلف الأشخاص واختلف المكان والزمان، وبهذا يدخل ابن خلدون في المنتدى العلمي بجدارة، ولكن متجاوزا المشكلات الميتافيزيقية التي وقع فيها من جاء بعده من الغربيين، ذلك أنه لم يهمل معطيات الوحي بوصفه مصدرا من مصادر المعرفة.
القوانين الاجتماعية والسنن الكونية:
القرآن الكريم مليء بالسنن الكونية التي تحكم المجتمعات، والتي جعلت ابن خلدون يخرج من التاريخ إلى علم الاجتماع بتأسيسه “علم العمران البشري”، وابن خلدون لا يفرق بين السنن والقوانين وبالتالي يمكن محاسبته على ذلك من طرف المتأخرين، فهو صاحب ثقافة قرآنية بالدرجة الأولى تمر علية التفاسير وكتب التاريخ ووقائعه، فيلاحظ ما لاحظه الذين كتبوا في السنن من المتأخرين؛ وأهم خصائص السنن كما يعرضها القرآن:
1- الثبات: أي تلازم السبب والمسبب فيها كتلازم العلة والمعلول كما ورد في كثير من الآيات مثل قوله تعالى: (فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا)[7].
2- الاطراد: وهو تكرار الظاهرة بتكرار أسبابها أو شروطها، وهذا من حكمة الله عز وجل إذ أنه لا يفرق بين المتماثلين فإذا قضى بإهلاك قوم ظالمين، فإنه كلما تكرر الظلم تكرر الإهلاك وهذا محض عدله[8]، فهل هذه الخصائص تحراها ابن خلدون في كل ما جاء به من صياغات وتعميمات؟
3- أنا أزعم أن الأمر كذلك وسنرى بعض الأمثلة على ذلك:
ب) بعض القوانين الاجتماعية عند ابن خلدون:
أولا: قانون الظلم مؤذن بخراب العمران[9]: وردت كلمة الظلم في عدة مواضع من مقدمة ابن خلدون، (23 مرة) وفي سياقات متعددة، مما يعني أن ابن خلدون محيط بشكل دقيق بأحوال العمران، وما يعتريه، وبالتالي فهو يدرك تمام الإدراك ما هي الأشكال التي يتخذها الظلم، فنجده يقول:
1. “كل من أخذ ملك أحد أو غصبه في عمله، أو طالبه بغير حق أو فرض عليه حقا لم يفرضه الشرع فقد ظلمه”[10]. وابن خلدون هنا يشير إلى أمر المعاملات بين البشر سواء منهم الحاكم أو المحكوم ويشير إلى أمر المعاملات وأسباب تقنين القوانين وتشريع الشرائع وهي حفظ الحقوق وهذا ما تواطأت عليه الشرائع كلها والقوانين كلها، وقد ورد في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم: “كل المسلم على المسلم حرام ماله ودمه وعرضه” -متفق عليه-
وأما ما كان من الناس بينهم من جباية أو مكوس أو غيرها وليس من الحاكم، فهذا الذي يعتبر افتئاتا على الدولة التي يجب أن تحتكر هذه المهام للمصلحة العامة، ويجب عليها أن تعوض للأشخاص الذين تؤخذ منهم هذه الأموال، من عقارات وغيرها، وإذا كانت منقولات فلا بد أن يكون ذلك برضا الطرف المتبرع وهو الرعية، كما حدث في عهد عمر بن الخطاب الذي أراد توسعة المسجد الحرام فأخذ بيوتات الصحابة التي كانت بجواره وعوضهم بدلها وكما حدث مؤخرا في كوريا الجنوبية في الأزمة الاقتصادية التي ألمت بها سنة 1997، حيث أخذت الذهب من المواطنين على سبيل الاقتراض لترفع من احتياط العملة. ولا يتأتى ذلك للأفراد وحتى الجماعات مهما كانت طبيعتها.
2. “جباة الأموال بغير حقها ظَلَمَة”[11]: وواضح أن المقصود بهذا هو إثقال الناس بالجبايات والضرائب من أجل أن تنعم الطبقة السياسية المترفة بالعيش الرغيد، على حساب معاناة الرعية العادية البسيطة.
3. “المعتدون عليها ظَلَمَة”[12]: ويقصد بهذا الذين تمتد أيديهم إلى أموال الأمة، والخزينة العامة لا ينفقونها في ما ينفع الناس، من تغطية نفقات الدولة كالجهاد وغيره، وإنما لأغراض شخصية، فقد كتب البلاطنسي كتابا عنوانه “فصل المقال فيما يحل ويحرم من بيت المال”، ردا على ما فعله السلطان في عهده حيث أهدى عشرات الفدادين التابعة للدولة لابنته في زفافها.
4. “المنتهبون لها ظلمة”[13]: وهذا إشارة إلى الفساد السياسي والإداري لأولئك الذين يطلقون أيديهم بالاختلاس لأموال الدولة سواء لشراء ولاءات جديدة أو أي غرض آخر.
5. “المانعون لحقوق الناس ظلمة”: وهذا ينصرف إلى المنافع وإلى الأموال ولكنه في المنافع أشد، ومن مظاهرها تعطيل مصالح الناس وغياب الخدمات من إصلاح للطرق وعدم إمداد شبكات المياه وعدم تكافؤ الفرص في الوظائف وغيرها.
6. “غصاب الأملاك على العموم ظلمة”: وهنا تظهر براعة ابن خلدون في أهمية القانون وسريان أحكامه بين الرعية، وأنه السبب الرئيس في الاستقرار السياسي والاجتماعي، فالأمن هو صمام الأمان وسبيل كل تطور، والأمن هنا يشمل الأمن على القوت وعلى النفس والأهل وعلى المستقبل، ألا ترى معي أن الأموال الاستثمارية تهاجر إلى الغرب بسبب درجة الأمان المرتفعة وقلة المخاطر هناك، وما من بلد تكون فيه درجة المخاطر عالية، إلا ويكون خلوا من الاستثمارات الخارجية وهذا باتفاق الاقتصاديين.
نلاحظ هنا مدى إحاطة ابن خلدون بأسرار التطور العمراني ولأسباب الخراب، وإدراكه لأشكال الظلم في المجتمع التي تعتبر علل السقوط والانهيار العمراني، وبهذا يسبق الذين كتبوا في التنمية والتخلف بقرون كثيرة؛ بل ونجده يشير في الفصل التالي إلى علة العلل، والنمط الشائع الذي إذا وصلت إليه الدولة انهارت لا محالة، وهو اغتصاب قيمة العمل الفائضة والتي تأخذ شكل الأجور المتدنية جدا، والتي لا تفي بالحاجة ولا تسد الخلة، وبهذا سبق رواد الفكر الاشتراكي[14]، الذين اعترضوا على أخذ فائض العمل وهو الفارق بين قيمة العمل الحقيقية والقيمة التقديرية التي يعطيها البرجوازيون للعمال، واغتصاب الفرق من أجل مراكمة الرأسمال على حساب معاناة العمالة البسيطة، يقول ابن خلدون بهذا الصدد: “فإن الرعية المعتملين في العمارة إنما معاشهم ومكاسبهم من اعتمالهم ذلك، فإذا كلفوا العمل في غير شأنهم واتخذوا سخريا في معاشهم بطل كسبهم واغتصبوا قيمة عملهم ذلك، وهو متحولهم، فدخل عليهم الضرر وذهب لهم حظ كبير من معاشهم، بل هو معاشهم بالجملة”[15].
ثانيا: تلازم الترف وسقوط الدول وانهيارها:
هذا القانون الذي أورده ابن خلدون في المقدمة وعرض له بالشرح والتحليل مبينا أنواع الخلل التي تدخل على العمران البشري وعلى الدول، ويؤدي إلى خرابها وزوالها، فهو يذكر أن الترف والنعمة إذا حصلا لأهل العمران دعاهم بطبيعته على مذاهب الحضارة والتخلق بعوائدها…، والحضارة كما يصفها ابن خلدون هي التفنن في الترف واستجادة أحواله في المطابخ والملابس والمباني…، فمتى بلغ التأنق غايته تبعه طاعة الشهوات وتلونت النفس من تلك العوائد بألوان كثيرة لا يستقيم حالها معها في دينها ودنياها[16]، ثم يمضي بالأمر إلى غايته حيث يقول: “إن الكد والتعب في طلب حاجات العوائد والتلون بألوان الشر في تحصيلها، وما يعود على النفس من الضرر بعد تحصيلها ينعكس على عادات الناس، فيكثر فيهم الفسق والشر والسفسفة والاحتيال على تحصيل المعاش من وجهه ومن غير وجهه، وتنصرف النفس إلى الفكر في ذلك والغوص عليه واستجماع الحيلة له، فتجدهم أجرياء على الكذب والمقامرة والغش والسرقة والفجور في الأيمان والربا في البياعات، ثم تجدهم أبصر بطريق الفسق ومذاهبه والمجاهرة به وبدواعيه واطراح الحشمة حتى بين الأقارب وذوي المحارم”[17].
وهذا القانون يأخذه ابن خلدون من القرآن الكريم مباشرة حيث نجد كثيرا من الآيات تتحدث على هذا الأمر كما فيفوله تعالى:
1. (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا)[18],
2. (وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة و إنا على آثارهم مقتدون قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين)[19].
فالترف كما سبق أن لاحظن، هو الانغماس في الملذات والشهوات واتساع رقعة حاجات النفس والسرف والتبذير، في سبيل تلبية تلك الحاجات وعدم تحري الطرق المشروعة في اكتساب ذلك، وبهذا تجبن النفس عن ارتياد الصعوبات وتنقص فيها روح المبادرة وارتياد الصعابّ، فتدخل مرحلة الوهن وفقدان مبررات الوجود ودافعية الإنجاز، ومن ثم تتحلل الحضارة أو تخرب العمارة, والله خير الوارثين كما يعجب ابن خلدون أن يختم سياق الحديث عن هذه القضية.
ثالثا: الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم[20]
والعصبية عند ابن خلدون ليست هي المبنية على العرق والدم، وإنما ذلك أحد أنواعها والدليل على ذلك كما ذهب الأستاذ ابن عمار الصغير أنها ترجمت إلى معان مختلفة في الكتب الأجنبية فليون غوتييه ترجمها بأنها “روح التكاتف” كما ترجمها ديسلان على “روح التكاتف” التي تظهر بين المنتسبين على المهنة الواحدة وهناك من رأى أنها مرادفة لكلمة القومية بالمعنى المعاصر[21]، ونحن نستطيع أن نقول بارتياح أن العصبية عند ابن خلدون هي النظام كما تمثله المؤسسات والأحزاب والانتظام والانضباط كما يكون في الأجهزة الأمنية كما يشير إلى الرابطة الدموية كما في الأسر الحاكمة التي تبنى علاقاتها على الثقة والولاء المطلق وبالتالي فابن خلدون عصبيته تشمل العناصر الآتية أو بعضها وهي:
1-الانتظام حول فكرة معينة وهدف معين
2-الانسجام
3-الولاء والثقة
4-الانضباط بالقواعد العامة والقوانين واللوائح التنظيمية
5-وجود قيادة جامعة
وبالتالي ففكرة العصبية ليست فكرة تشير إلى رابطة الدم فقط، وإنما من خلال استقراء استخدامه للكلمة والمصطلح يمكن استنتاج ما سبق من الخصائص وإذا أردنا أن نجد تاصيلا لذلك في القرآن والسنة فسنجد الكثير ومنها:
1. الأنبياء كلهم أرسلوا في أقوامهم فالانطلاق من الرابطة الدموية واللغوية قاعدة ضرورية لقوله تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) فهذه الرابطة اللغوية والدموية.
2. أما القيادة الجامعة والحماية فيدل عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “ما بعث الله نبيا إلا في منعة من قومه”[22]، ويقول ابن خلدون في تعليل هذا القانون أن الله عز وجل اختار الأنبياء من ذوي العصبية لتسندهم في كفاحهم لتغيير معتقدات أقوامهم وعوائدهم، وأنه لو شاء لأيدهم بغير حاجة إلى العصبية ولكنه إنما أجرى الأمور على مستقر العادة[23].
ومن هنا انتبه الغربيون إلى فكرة النظام الصارم في تجنيد القوى الأمنية وتقوية مؤسسات الدولة وتجييش الجيوش، وسموا كل من تكون فيه هذه المواصفات بأنه حديث، بحيث يكون الولاء للمؤسسة بغض النظر عمن يقوم عليها، ومنه كذلك فكرة الوطنية الحديثة هي عبارة عن عصبية للمكان والحيز الجغرافي، الذي تتربع عليه الدولة، وهكذا نجد ابن خلدون لا يزال معاصرا لنا ونحن في القرن الخامس عشر، رغم وفاته منذ ستة قرون.
رابعا: المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده.
يقول ابن خلدون وهو يعدد العلل متبعا في ذلك طريقة الأصوليين المعروفة بالسبر والتقسيم، والتحقيق والبحث عند الباحثين المعاصرين فيسردها كما يلي:
1. إما لنظره بالكمال بما وفر عندها من تعظيمه
2. الاقتداء: ولما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب، فإذا غالطت بذلك واتصل لها اعتقادا فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به وذلك هو الاقتداء
3. التشبه: أو لما تراه والله اعلم من أن غلب الغالب لها ليس بعصبية ولا قوة بأس وإنما هو بما انتحلته من العوائد والمذاهب تغالط أيضا بذلك عن الغلب وهذا راجع للأول
4. الولع: ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبدا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها بل وفي سائر أحواله وانظر ذلك في الأبناء مع آبائهم كيف تجدهم متشبهين بهم دائما، وما ذلك إلا لاعتقادهم الكمال فيهم، وانظر إلى كل قطر من الأقطار كيف يغلب على أهله زي الحامية فجند السلطان في الأكثر؛ لأنهم الغالبون لهم حتى أنه إذا كانت أمة تجاور أخرى ولها الغلب عليها فيسري إليهم من هذا التشبه والاقتداء حظ كبير، كما هو في الأندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة فإنك تجدهم يتشبهون بهم في ملابسهم وشاراتهم والكثير من عوائدهم وأحوالهم، حتى في رسم التماثيل في الجدران والمصانع والبيوت حتى لقد يستشعر من ذلك الناظر بعين الحكمة أنه من علامات الاستيلاء والأمر لله، وتأمل في هذا سر قولهم العامة على دين الملك فإنه من بابه إذ الملك غالب لمن تحت يده والرعية مقتدون به لاعتقاد الكمال فيه، اعتقاد الأبناء بآبائهم والمتعلمين بمعلميهم، والله العليم الحكيم وبه سبحانه وتعالى التوفيق[24].
وابن خلدون من خلال هذا القانون يعتبر سباقا في ملاحظة السلوك بين الثقافات والحضارات وقد لاحظ سلوك المغلوب تجاه الغالب، كظاهرة اجتماعية عامة وقد تطورت هذه الفكرة في إطار الصراع الحضاري من طرف ابن نبي بمسمى “معامل القابلية للاستعمار”، ورصد مجموعة من المؤشرات التي تدل على ظاهرة القهر والانبهار وفقدان الهوية والذاتية الحضارية في مختلف الطبقات الشعبية، ومن هنا يكون الفكر البنابي امتداد للفكر الخلدوني.
الخاتمة:
هذه الورقة عبارة عن إطلالة على فكر ابن خلدون ومحاولة لكشف جانب من جوانب عبقريته العلمية ولا ادعي أنني استوعبت أفكار الرجل في هذا المجال ولكن البحث لا يزال متواصلا في تأصيل بقية ما يمكن عده من القوانين الاجتماعية في المقدمة ونتمنى أن يضطلع الباحثون بدراسة الرجل وفكره للإفادة منه اكثر للنهوض بمجتمعاتنا العربية الإسلامية، إذ أن كثيرا من الظواهر التي أشار إليها لا تزال قائمة إلى يومنا هذا.
والله ولي التوفيق
-انظر الساعاتي،حسن:ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع،ص177 وما بعدها.[1]
2-G.Trade:social laws. translated from French by Howard C. waren;batoche books,NY 1899.
See www.society-science.arabhs.com-[3]
[4] -Ibid.
-الساعاتي،المرجع السابق،ص255.[5]
-الذوادي،محمود الحبيب:العوامل الذاتية لميلاد الفكر الريادي الخلدوني في ضوء علم الإبداع الحديث،مجلة التجديد ع1س1،ص65-88تصدرها الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا،سنة 1997.[6]
-أمزيان،محمد محمد:منهج البحث الاجتماعي بين الوضعية والمعيارية ص287،ط1،هيرندن،فيرجينيا،1991.[8]
[9] -لأهل العلوم في براهين علومهم وهي من جنس مسائله بالموضوع والطلب مثل ما يذكره الحكماء والعلماء في إثبات النبوة من أن البشر متعاونون في وجودهم فيحتاجون فيه إلى الحاكم والوازع ومثل ما يذكر في أصول الفقه في باب إثبات اللغات أن الناس محتاجون إلى العبارة عن المقاصد بطبيعة التعاون والاجتماع وتبيان العبارات أخف ومثل ما يذكره الفقهاء في تعليل الأحكام الشرعية بالمقاصد في أن الزنا مخلط للأنساب مفسد للنوع وأن القتل أيضا مفسد للنوع وأن الظلم مؤذن بخراب العمران المفضي لفساد النوع وغير ذلك من سائر المقاصد الشرعية في الأحكام فإنها كلها مبنية على المحافظة على العمران فكان لها النظر فيما يعرض له وهو ظاهر من كلامنا هذا في هذه المسائل الممثلة وكذلك أيضا يقع إلينا القليل من مسائله في كلمات متفرقة لحكماء الخليقة لكنهم لم يستوفوه فمن كلام المؤبذان بهرام بن بهرام في حكاية البوم التي نقلها المسعودي أيها الملك إن الملك لا يتم عزه إلا بالشريعة والقيام لله بطاعته والتصرف تحت أمره ونهيه ولا قوام للشريعة إلا بالملك ولا عز للملك إلا بالرجال ولا قوام للرجال إلا بالمال ولا سبيل للمال إلا بالعمارة ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل والعدل الميزان المنصوب بين الخليقة نصبه الرب وجعل له قيما وهو الملك ومن كلام أنوشروان في هذا المعنى بعينه الملك بالجند والجند بالمال والمال بالخراج والخراج بالعمارة والعمارة بالعدل والعدل بإصلاح العمال وإصلاح العمال باستقامة الوزراء ورأس الكل بافتقاد الملك حال رعيته بنفسه واقتداره على تأديبها حتى يملكها ولا تملكه وفي الكتاب المنسوب لأرسطو في السياسة المتداول بين الناس جزء صالح منه إلا أنه غير مستوف ولا معطى حقه من البراهين ومختلط بغيره وقد أشار في ذلك الكتاب إلى هذه الكلمات التي نقلناها عن الموبذان وأنوشروان وجعلهما في الدائرة القريبة التي أعظم القول فيها هو قوله العالم بستان سياجه الدولة الدولة سلطان تحيا به السنة السنة سياسة يسوسها الملك الملك نظام يعضده الجندالجند أعوان يكفلهم المال المال رزق تجمعه الرعية الرعية عبيد يكنفهم العدل العدل مألوف وبه قوام العالم العالم بستان ثم ترجع إلى أول الكلام فهذه ثمان
[10] -ابن خلدون، المقدمة، ص510.
[11] -المصدر السابق، الصفحة نفسها.
[12] -المصدر السابق.
[13] -المصدر السابق.
-النبهان،محمد فاروق:الفكر الخلدوني من خلال المقدمة،مؤسسة الرسالة،ط1،1998،ص129.[14]
-أمزيان،المرجع السابق ص292.[16]
-ابن عمار الصغير،التفكير العلمي عند ابن خلدون،ط1،الشركة الوطنية للنشر والتوزيع،الجزائر،ص49.[21]
[24] -المقدمة لابن خلدون،ص184.
السننية أكاديمية الثقافة السننية للتجديد الحضاري
مقال ذو قيمة مضافة عالية خصوصاً في ضوء المعرفة الموسوعية والاجتماعية لابن خلدون