بقلم: الأستاذ التهامي مجوري
يتوقع خبراء العالم من دارسي التاريخ والحضارات والعلاقات الدولية، أن القرن الحادي والعشرين سيكون “قرنا للمعرفة”، كما كان القرن التاسع عشر قرنا للسياسة، والقرن العشرين قرنا للاقتصاد، بسبب الإخفاقات التي وقع فيها العالم نتيجة اكتفائه، بجانب السياسة في إطار الميثاق الاستعماري من جهة، واقتصاره لاحقا على جانب الاقتصاد في صراع الشرق والغرب الوروبيين، وحاجة الإنسان بلا شك أوسع من ذلك بكثير.
ويضاف إلى هذا القصور، فشل التجربة الحداثية في قيادة العالم، نتيجة إهمالها لجوانب أخرى من الإنسان. فالإنسان ليس واقعا سياسيا فحسب، ولا هو واقعا اقتصاديا فقط، ولا هو أفكارا تحديثية تجديدية تلهث وراء كل عمل يزيح الماضي عن مواطن التأثير في الواقع.
ومع هذه البشارة المعلن عن هيمنة المعرفة لهذا القرن، فإن عمالقة “المركز” وأصحاب القرار فيه يريدون الإبقاء على هذا الوضع: المركز مركزا والأطراف أطرافا، بحيث يريدون لهذه المعرفة التي ستكون هي الظاهرة الغالبة على مسار العالم في هذا القرن، أن تكون لتطوير السياسة وفق منظومة القرن التاسع عشر، وتطوير الاقتصاد وفق منهجية القرن العشرين، بحيث شرعوا ينظرون لمفهوم الدولة العالمية، التي ستتحكم في العالم كما حكمته خلال الفترة الاستعمارية بوضع العالم تحت هيمنة المركز، كما راحوا يحصرون المعرفة في عالم الاختراع وبراءه الإختراع والملكية الفكرية…، وفق منظور اقتصادي بحت، فبدا الصراع بين الأطراف، يشبه صراع ثنائية الحرب الباردة.
المهم لا يسمح للعالم بالانتعاش بالعطاء المعرفي وفضائله، إلا وفق ما تقرره القوى المهيمنة.
ولكن منذ سقوط جدار برلين والعالم يبحث عن نظام جديد وقيادة جديدة للعالم، ولم يحصل ذلك بعد، ولا يزال خبراء السياسة اليوم يحضرون انفسهم لصناعة هذا النظام العالمي الجديد وفق المقاييس الاستعمارية القدية، مستفيدا من المعرفة التي سيفيض بها هذا القرن الجديد، وكذاك أرباب الاقتصاد وقيادات الشركات العابرة للقارات، تريدها معرفة خاضعة لمقررات ما يريده الإقتصاد وفق منظور هيمنة الكبار على الصغار، المركز والأطراف.
ولكن المعرفة التي يبشر بها عقلاء العالم لتكون هي سمة القرن الحادي والعشرين، هي معرفة جوهرها أخلاقي، وترفض هذه الهيمنة الاستبداداية الظالمة؛ لأن التجربتين السياسية والإقتصادية المشار إليهما آنفا، واللتين غطتا القرنين الماضيين، جردتا الإنسانية من أبعادها الأخلاقية، بحيث مورست السياسة بلا اخلاق ومورس الإقتصاد بلا أخلاق أيضا؛ بل إن الإنتاج المعرفي نفسه خضع لمنطق الصراع بدل التدافع السلمي والتنافس النزيه والتكامل المفضي لضمان الحريات والعدل لخدمة لإنسان من حيث هو إنسان قبل كل شيء.
ولعل من أهم الدراسات التي شرحت الوضع المأزوم هذا بقيادة المنظومة الغربية التي تقود العالم اليوم، ثلاثة كتب وهي:
نظام التفاهة، للفيلسوف الكندي ألان دونو، الذي فضح المنظومة السياسية التي تحكم العالم بشرقه وغربه، التي تبحث عن الولاء أكثر من البحث عن الكفاءات؛ بل تتجاهل عمدا الكفاءة، وإذا كانت، وربما تكون مفروضة لسبب من الأسباب، لا ينبغي لها أن تخرج عن إطار الهيمنة الموضوعة سلفا، ويضاف إلى هذا الكتاب، كتاب آخر مهم لكنه يركز على السياسة الدولية وكيف هيمنت الولايات المتحدة الأمريكية خلال النصف الثاني للقرن العشرين على مفاصل السياسة الدولية في العالم، وهو للإعلامية الكندية أيضا نعوم كلاين، يعنوان “عقيدة الصدمة”، التي شرحت فيه الكاتبة كيف طبقت “فكرة الصدمة”، المستوحاة من تجربة العلاج بالصدمة في علم النفس، بعدما تخلى عنها صاحبها لأسباب أخلاقية، فتلقفتها المخابرات الأمريكية وطبقتها في معالجة الكثير من قضايا أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، ابتداء من إسقاط بينوشي إلى إسقاط صدام حسين [1973/2004] وذلك بقيادة العالم “الإقتصادي فريدمان” ومجموعته المعروفة بجماعة شيكاغو.
والكتاب الأخير فهو لـ:جون بيركنز الضابط في المخابرات المركزية الأمريكية، فقد روى في كتابه هذا العمليات التي شارك فيها أو أشرف عليها، فيما يتعلق بالتحكم الإقتصادي للدول، التي بلغت حد الإغتيال والانقلاب… وغير ذلك، بحيث كان فريدمان يكون إطارات الدول في جامعة شيكاغو ليكونوا رجالها مستقبلا، وبيركينز يطوع من استعصى على الاستدراج بالقوة، بالإغتيال والإنقلاب والبيع والشراء والرشوة…
وفي المقابل مجتمعات فقيرة يغلب عليها الجهل والفقر والخرافة، محكومة بمنظومة ثقافية مثقلة بأعباء خبرات منتهية الصلاحية، وغلبة منظومة دولية ظالمة لا تعترف للضعيف بالوجود إلا في إطار مصالحها القومية.
والعالم في كل ذلك يسير وفق منظومة معرفية ممنهجة وفق غايات محددة ومنضبطة، وكما وصفها المفكر الكبير علي عزت بيغوفيتش، بمنظومة تغليب الحضارة على الثقافة، والاصطفاء الطبيعي الدارويني [أنظر: الإسلام بين الشرق والغرب]، ويقصد بذلك تغليب المادة على الروح، بحيث يصبح الإنسان وكأنه كتلة من الماديات لا معنى لوجودها واندثارها إلا بما لها من قيمة مادية، أما الاصطفاء الطبيعي الدارويني، فهي إشارة إلى الطبيعة التي تستغني على ما لا تحتاج إليه، ولعل تداول معلومات التخلص من الشيوخ والعجزة كغاية لفيروس كورونا، لمن يرى أنه فيروس مخصب في مخابر قاصدة لذلك، من أجل تحقيق غايات معينة، ومنها تخليص العالم ممن هم عالة على العالم من عجزة ومعطوبين وأهل أمراض مزمنة!! يصب في هذا التجاه.
لقد أثبتت هذه المنظومة فشلها في قيادة العالم، بسبب الإختلالات المعرفية الصراعية التي كانت ولا تزال تهيمن على المعرفة والثقافة الإنسانية عامة [انظر، منهجية القرآن المعرفية، أبو القاسم حاج حمد]، أو بسبب صناعة الأوهام وتحكمها في واقع الناس، التي تديرها وسائل الإعلام ومؤسسات الإنتاج الفني والسنمائي [أنظر، عبادة المشاعر، ميشال لاكروا]، وعقلاء العالم ما فتؤوا يدقون ناقوص الخطر ويحذرون من مغبات الانسداد الذي سيصيب العالم إن بقيت هذه المنظومة المديرة لعالم اليوم، وخطورته على الإنسان [أنظر: أزمة العالم المعاصر، روني غينون].
وأمر آخر تقتضيه طبيعة حركة البشر والحضارات والثقافات، فقد جعلها الله مداولة ومدافعة ومنافسة بينهم، بحيث لا بقاء لشيء على طول الزمان والمكان والحال، وإنما لكل شيء عمر معين منضبط بشروط معينة ولوازم معينة وغاية معينة، بحيث يفقد من هذا العمر بقدر ما يخل بالشروط واللوازم والغايات التي وجد لأجلها، ومن ثم فلا بقاء إلا لواجب الوجود سبحانه، وما ارتضى من ثوابت مغروزة في النفس البشرية (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) [عمران 140].
ولذلك كانت القراءة الموضوعية للتحذيرات التي أطلقها عقلاء العالم منذ منتصف القرن العشرين، واستمرت إلى اليوم في تصاعد مستمر وإلحاح دائم، حتى أن بعضهم أضحى “يبشر بكارثة” ستحصل للعالم إن لم يتم تدارك الأمر، وذلك بسبب الإختلالات الحاصلة في العالم اليوم في جميع حقول المعرفة، وغيرها من مجالات النشاط الإنساني، فالتلوث البيئي الذي تسببت فيه كبرى الشركات العالمية، وقد أضر بملايين البشر، وقد كشفت أيام “الحجر الصحي” الذي فرضته جائحة كورونا، عن انتعاش الطبيعة بظهور نباتات في البحار وعلى وجه الأرض كانت خافية من قبل، كما ظهرت الأسماك تنط على مقربة من السواحل، وصفاء الطبيعة من الدخان والغبار، بحيث ترى الجبال بوضوح كامل بين العواصم، مثل بيروت وغزة وغيرها… وعلى مستوى الإقتصاد والمال، فقد بلغت ديون العالم ثلاثة أضعاف دخله القومي!! [تصريح للخبير المالي أبو غزالة لقناة RT الروسية]، مثل أن يكون أجر العامل وديونه ثلاثة آلاف مثلا.
هل يمكن تسديد هذه الديون؟ مستحيل، وقد أثبتت الأزمة المالية العالمية سنة 2008، ما يمكن أن تتسبب فيه الديون عندما تتراكم، من انهيار كلي لإقتصاديات العالم والمؤسسات الدولية، ومن ثم فالأمور بالغة التعقيد، ولا يمكن ان تحسم إلا بالحروب، والحروب هي الأخرى لم تعد صالحة لحسم الخلافات؛ لأن ما يملكه العالم من سلاح يفني العالم، بحيث يصعب استعماله.
وعلى المستوى المعرفي فقد أثبت توقع وتوجه ما بعد الحداثة الذي يقود الفكر الإنساني اليوم أنه في مأزق ولم يستطع الخروج منه؛ بل وقع في مأزق اكبر وهو أن المعرفة دخلت واقعا دائريا لا يصل فيه إلى نتيجة إلا وتبشره بأنها ليست هي الحقيقة النهائية، وإنما الحقيقة هي فيما سيكتشف لاحقا وهكذا بلا نهاية…، وقد عبر عنها عالم الاجتماع البولوني ريجمونت باومان، بقوله “الحداثة السائلة”، أما علاقة المعرفة بالأخلاق، فقد بلغت أسوأ مراحلها عندما استبعدت الدين وكل قديم من المعادلة الإنسانية بحيث جردتها من اهم عناصرها الإنسانية، وقد تجسد ذلك فيما يعرف بالزواج المثلي المبني على تجاوز فكرة الأسرة التقليدية واستبدالها بصورة جديدة للأسرة تستبعد كل قديم، وقد كانت البداية من جماعة فرانكفورت اليسارية التي كانت ترى في الأسرة التقليدية صورة مصغرة للإقطاع واسبداد رب الأسرة بزوجه وصغاره؛ بل إن البعض يتوقع –إن استمر الأمر على هذه الحال- أن يستغني الناس عن الزواج أصلا، ما دامت المتعة الجنسية متاحة بصور مختلفة وبأشكال متنوعة، وعاطفة الأبوة والبنوة يمكن تحقيقها عبر استئجار الأرحام ووفرة الحيوانات المنوية في بنوك الخاصة بذلك.
وإلى جانب معاناة الإنسانية من لاأخلاقية المركز الغربي الحداثي، بما أحدثه من اهتزازات نفسية واجتماعية وأخلاقية، هناك معاناة أخرى للإنسان بسبب تخلي العالم الشرقي عن دوره الأخلاقي من جهة، وبسبب عجزه عن تجاوز تخلفه المثقل بمخلفات خرافية ومفاهيم فقدت صلاحيتها، مستنسخة من مراحل زمنية مختلفة عبر عنها بن نبي رحمه الله بمصطلح “عصر ما بعد الموحدين” وهو عصر السقوط الحضاري.
في هذا الجو المشحون والمعبأ بقيم فاقدة الصلاحية وأخرى مشرفة على فقدان الصلاحية، تظهر مبادرة مشروع السننية الشاملة، لتستدرك على كل طرف نقائصه، بعد دراسة متأنية لواقع المعرفة والثقافة الإنسانية بجميع مدارسها المعرفية، وثقافاتها وحضاراتها ومجتمعاتها عبر القرون، لتخرج بمنظور كوني وتصور شامل للوجود بجميع أبعاده، مبني على التجربة النبوية في شقها الديني الأخلاقي، وعلى الخبرة التاريخية وتجارب الإنسان الناضجة في شقها الإنساني.
ينطلق مشروع منظور السننية الشاملة من مبادئ سننية حضارية ثابتة ومطردة، وهي أن مشكلة الإنسان في أساسها حضارية: فردا كان أو مجتمعا أو أمة أو إنسانية، والمسألة الحضارية لتكون منتجة وإنسانية في أبعادها، لا بد من أن تحمل في طياتها قيم الإنسان الراشد كما هي، توازنا وتناغما وتكاملا ومدافعة وتجديدا وحضورا كاملا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران 104].
لا شك أن مشاريع النهضة في عالمنا الإسلامي، كانت ولا تزال تضخ “دمها وعرقها وحبرها”، من أجل النهوض بالأمة وبرسالة الإسلام بأفقه الإنساني، ولكن أغلبها لم يتخلص من المنهج التجزيئي السطحي التنافري الذي فرضه واقع الأمة المعرفي والثقافي، وما تتميز به مشروع السننية الشاملة هو هذه المسألة الأساسية المغفول عنها، وهي الانتقال من تجزيء القضايا إلى إعادتها إلى أطرها الكلية؛ لأن سلطة المنهج الذي بني الله عليه الكون، يرفض التجزيء إلا بالمقدار الوظيفي الذي تفرضه طبيعة الإنسان الرسالية ووظيفته الجزئية في حركاته الدورية، عبادة ومعاملة,
ولذك ركز مشروع السننية الشاملة على حاجات الإنسان الأساسية بقطع النظر على مذهبه في الحياة، انطلاقا من بناء المنظور الكوني المؤسس على: الوجود الإلهي، الوجود الكوني، الوجود الإنساني، وبتفرع عن هذا المنظور الكوني كليات سننية كبرى هي:
كلية سنن الأفاق ومجالها القوانين الناظمة للجانب المادي والفيزيائي من الحياة، وساحاتها الكبرى الشاسعة هي هذا الكون الفسيح، الذي يمثل المجال المسخر للإنسان (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الجاثية 13]
وكلية سنن الأنفس ومجالها عالم الإنسان فردا ومجتمعا ومؤسسات ناظمة له، ويشمل جميع العلوم الإنسانية: علم الاجتماع، علم النفس، العلوم السياسية، علم الاقتصاد… (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) [الرعد 13]
وكلية سنن الهداية، وكلية سنن التأييد ومجالهما الوحي وبناء العلاقة بالله سبحانه؛ لأن مبناهما على توحيد الله وعبادته. (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء 65]
والمحصلة لهذه المنظومة المعرفية الثقافية، هي بناء صرح السننية الشاملة، على توزان وتناغم وتوازن مطرد بين هذه الكليات السننية الشاملة؛ وما أدركه مشروع السننية الشاملة، من مواطن النقص الذي في المنظومة التي تحكم العالم اليوم، هي أن الفكر الإنساني يفصل هذه الكليات عن بعضها البعض، فعالم الفيزياء لا يهتم بقضايا الإنسان النفسية والإجتماعية، وعالم الإجتماع لا يهمه الجانب الديني، وعالم الشريعة لا يهتم كثيرا ولا يكترث بمقررات العلوم الإنسانية… وهكذا، وذلك بسبب الجهل بأهمبة التكامل المعرفي الذي فرضه الإيغال في التخصص، أو بسبب عدم الإيمان بالعلاقة التي تربط بين قضايا الإنسان وتكامليتها.
ولذلك كان من أعراض الشعور بالأزمة المعرفية الظاهرة، الدعوة إلى التكامل المعرفي، التي تعتبرها السننية الشاملة ضرورة معرفية وثقافية لإدراك حقائق قضايا الإنسان واحتياجاته.
السننية أكاديمية الثقافة السننية للتجديد الحضاري