أخبار عاجلة

قراءة في كتاب مدخل إلى سنن الصيرورة الاستخلافية للمفكر الطيب برغوث

بقلم: د. عمر مناصرية

بين يدي الكتاب:

تعد مشكلة قراءة التاريخ وفهم مساره والمنهجية التي تحكمه، من الأسئلة التي ألحت على الفكر الإنساني عموما، وعلى العلوم التي توصف بالاجتماعية أو الإنسانية خصوصا. فلقد شغل الفلاسفة والمفكرون منذ زمن بعيد بمحاولة إيجاد فلسفة للتاريخ، تحكم تطوره، وتمنهج مساره. وفي هذا الإطار، يمكننا تمييز نمطين من الدراسات المنصبة على الظاهرة التاريخية:
النظرة الدورية للتاريخ: وهي التي تنظر إلى التاريخ كدورات متعاقبة للحضارات، لا رابط بينها ولا انتظام، ولا تحكمها قوانين عامة، وبالتالي فهي تدرس التاريخ كأجزاء منفصلة، وكوحدات خاصة ذات قوانين خاصة أيضا، فينتفي المنطق من التاريخ، وتنتفي منه الصيرورة والقصد والهدف.
النظرة الخطية للتاريخ: وهي التي تنظر إلى التاريخ كمسار متطور دائما، خاضع لصيرورة ومنهجية، وقوانين موضوعية، مستقلة عن إرادة البشر، يمكن دراستها علميا، والحضارات بمجموعها تقع داخله، وتمثل تجليات له، ولذلك فهي تتطور دائما وتتقدم، محصلة في تقدمها هذا المزيد من التحكم والضبط والتنبؤ مع كل حضارة جديدة. والتاريخ هنا يدرس كوحدة منطقية، وبالتالي فإنه يحوز المنطق والنية والهدف، وتهدف هذه النظرة إلى إعطاء الحضارة المتقدمة مسوغا فكريا للهيمنة والتحقق في التاريخ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

ضمن هذا الإطار تقع المشكلة التي يتناولها الكتاب الذي بين أيدينا للشيخ الأستاذ الطيب برغوث حفظه الله، حيث يهدف الكتاب إلى قراءة فلسفية للتاريخ، من منظور سنني قرآني، يحاول إبراز القوانين التي تحكم تطور التاريخ، والعلائق التي تميز هذا التطور وتتحكم فيه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ضمن هذا الإطار تقع المشكلة التي يتناولها الكتاب الذي بين أيدينا للمفكر الدكتور الطيب برغوث حفظه الله، حيث يهدف الكتاب إلى قراءة فلسفية للتاريخ، من منظور سنني قرآني توحيدي، يحاول فيه إبراز القوانين التي تحكم تطور التاريخ، والعلائق التي تميز هذا التطور وتتحكم فيه، بما سيعود بفائدة عظيمة على مسار النهضة الحضارية للمسلمين، وعلى الحضارة الإنسانية عموما.

موقف المفكر الطيب برغوث من المشكلة:

في البداية  يؤكد المفكر الدكتور الطيب برغوث على أهمية النظرة السننية الشمولية للتاريخ، وأن انعدام هذه النظرة لدى المسلمين، والمصلحين خصوصا، هو سبب المآسي التي تتخبط فيها النهضة الإسلامية منذ قرنين، رغم الجهود الطويلة والكبيرة التي بذلتها، ففداحة النقص الذي تعانيه من هذه الناحية، وغياب حقيقة هامة عن وعيها، وهو أن هناك فعلا قوانين وسننا تحكم تطور التاريخ كما تحكم الفعل فيه،يجب توجيه الجهود كلها إليها، أدى إلى ضياع هذه الجهود، وتفرقها، وضمورها بعد حين، وقد فاقم من هذا الوضع أن  الفقه الإسلامي، والتراث الإسلامي عموما، أهمل هذه الناحية كثيرا، فلم يهتم بها، بل ربما لم يع حتى وجودها، فهو يقول: ((كان أملي كبيرا أن أجد في مكتبة تفسير القرآن، وشروح السنة والسيرة النبوية خاصة –لصلتهما المباشرة بمنبع أو منجم الوعي السنني القاعدي المطلق– ما يشكل الإطار المعرفي والمنهجي لنظرية أو رؤية كلية متناسقة، في تحليل وتفسير وتأطير حركة التاريخ، في صيرورتها الحضارية المتعاقبة، لكن النزعة التخصصية المحددة في بعض المؤلفات، والنزعة الجزئية المستغرقة في الجزئيات في البعض الآخر، والنزعات الروحية الذاتية المستغرقة في الخرافات أحيانا، في قطاع آخر واسع من المؤلفات، وغياب أو ضعف نمو منظومة العلوم النقدية التركيبية الجامعة، حالت دون تأسيس وبناء صرح هذه النظرية أو الرؤية الكلية المتناسقة، في فلسفة التاريخ والحضارة)) ص26 . مؤكدا بعد ذلك على الأهمية البالغة للوعي السنني في حركة الصيرورة الاستخلافية، التي توليها المدرسة الحضارية العناية اللازمة، من خلال استثمارها للمنهج في استقراء منظومات سنن الخلق والتسخير والاستخلاف.
فالمفكر الطيب برغوث، يلج إلى أم المشكلات، وأهمها على الإطلاق، والتي تعمل الجهود الانسانية عموما، في إطارها، فما من مجتمع أو حضارة إلا وهو يحاول  أن يخرج من طور التخلف، أو يحافظ على ريادته، وإنما يكون ذلك أولا بحسب المفكر باكتشاف هذه القوانين واستثمارها، غير أن الاختلاف بين المدرسة الغربية وما يطرحه  الطيب برغوث من أفكار، يقع في أن هذه المدارس، إما أنها تنفي أي وجود لقوانين تاريخية عامة، فتكون دراستها له مجتزأة ومبتسرة، أو أنها تقر بوجودها، ولكنها تجعلها متركزة في جوانب محدودة فقط، مع الاكتفاء بذلك، وتفسير التاريخ كله على ضوئها، ويكون هدفها هو الهيمنة الفكرية لا غير.
أما في الرؤية الإيمانية التوحيدية التكاملية كما يسميها المفكر، فإن هذه القوانين، تتميز بأنها عامة، وبالامكان أخذ التاريخ عبرها في شموليته ووحدته، وفي نفس الوقت تتميز بشموليتها وتعدد جوانبها كما سيتبين لاحقا.
إن السنن التسخيرية الأربعة التي تتعلق بعوالم الأفاق والأنفس والهداية والتأييد، هي التي تحكم وتشرط مسيرة التاريخ، في صيرورة استخلافية، تتجلى في سنن الابتلاء والتدافع والتأييد والتجديد، حيث تبرز في هذه الأطوار، قيمة هذه سنن المنظومات الأربعة، بما أن طبيعة الاتجاه نحوها أو نحو بعضها هو الذي يحدد النتائج التي ستترتب عن التصرف الإنساني.

وهكذا نرى، بأن التاريخ لا يسيره عامل واحد فقط، كما لدى الماركسية مثلا، حيث يكون للعامل الاقتصادي دوره الحاسم، في صياغة التشكيلات الاجتماعية والاقتصادية، وفي صياغة التطور بعد ذلك، في شكل انقلابات ثورية، تقوم بها الطبقات المتصارعة.

وهكذا نرى، بأن التاريخ لا يسيره عامل واحد فقط، كما لدى الماركسية مثلا، حيث يكون للعامل الاقتصادي دوره الحاسم، في صياغة التشكيلات الاجتماعية والاقتصادية، وفي صياغة التطور بعد ذلك، في شكل انقلابات ثورية، تقوم بها الطبقات المتصارعة، أو لدى فوكوياما، الذي فسر التطور التاريخي كله بالكرامة الإنسانية التي يحققها أخيرا النمط الرأسمالي في الإقتصاد والسياسة. وإنما في عوامل متكاملة، تلغي التناقضات التي يمكن أن تحدث أثناء التقدم التاريخي للمجتمع. إن سنن الآفاق والأنفس والهداية والتأييد، لا تضع الكرامة الإنسانية وحدها كما لدى الفلاسفة الغربيين، كسبب وحيد في تقدم التاريخ، مثلما نجده في نظرية السيد والعبد، والتي تطورت بعد ذلك في نظريات العقد الاجتماعي لهوبز ولوك وروسو، ولكنها تمنح للتصرف الإنساني كامل أبعاده وشروطه، حيث تحميه من الوقوع تحت طائلة التناقضات التاريخية التي تنشأ في المجتمعات الغربية، نتيجة استبعاد معظم هذه السنن عن أن يكون لها الدور الحاسم في الفعل التاريخي.  ففي الماركسية، نلاحظ أنها تجعل من سنن الهداية والتأييد، بناء فوقيا غير مهم أبدا، في الوقت الذي تقر فيه بالبعد المادي، وتجعله بناء أساسا، متمثلا في العلاقات الاقتصادية فقط، ثم تفسر التاريخ كله، وفق هذا الأساس. بينما في الرؤية التوحيدية، نجد أن إعطاء هذه السنن جميعا مكانتها الأساسية في الفعل التاريخي، يساهم بشكل حاسم، في تقدم التاريخ، بلا مفاجآت على الطريق. لذلك يميز الأستاذ الطيب برغوث، بين اتجاهين رئيسيين في تفسير حركة التاريخ:
– الاتجاه الوضعي الشركي التنافري الذي لا يعي الأبعاد الكلية لحركة الاستخلاف، وإنما ينحسر في ((الفطرة الخامية، والعقل المؤطر بالغرائز)) ص40
– الاتجاه الإيماني التوحيدي التكاملي الذي ينفتح عل كامل أبعاد ومراحل ودلالات الدورة الوجودية للإنسان، ويستثمر سائر المنظومات التسخيرية لأجلها.

قبل هذا يعطي الأستاذ الطيب برغوث، أهمية بالغة للمدخل العقدي، متمثلا في الموقف الإيماني من المنشأ الإنساني، والطبيعة البشرية، باعتبارها قاعدة مهمة للدخول في التاريخ، فلا يمكن للإنسان أن يدخل التاريخ، وهو لا يعرف خصائصه النفسية والاجتماعية والبيولوجية.

نظرية التدافع والتجديد:

لقد بدأت بهذا المدخل التسخيري لأعطي فقط الفرق بين الرِؤية الغربية للتاريخ، وبين الرؤية التوحيدية كما حددها المفكر الطيب برغوث، مع أن ذلك، ربما سيضر بمنهجية الكتاب المحكمة غاية الإحكام، إذ يمثل هذا المدخل البعد الثالث في نظرية التدافع والتجديد، وقبله يعطي المفكر الطيب برغوث، أهمية بالغة للمدخل العقدي، متمثلا في الموقف الإيماني من المنشأ الإنساني، والطبيعة البشرية،والوظيفة البشرية، والمصير البشري، باعتبارها قاعدة مهمة للدخول في التاريخ، فلا يمكن للإنسان أن يدخل التاريخ، وهو لا يعرف خصائصه النفسية والاجتماعية والبيولوجية، إذ بفعله ذلك، يلقي بنفسه في مجاهل خطيرة، وهو ما أبرزه، ألكسيس كاريل في كتابه “الإنسان ذلك المجهول”، وهو يقصد الإنسان الغربي، الذي بدأ يصنع حضارة لا يعرف مآلاتها بالضبط، فهو كالخياط الذي يعد بذلة لشخص لا يعرف مقاييسه الجسمانية. لهذا السبب، يركز الأستاذ الطيب برغوث على هذه الناحية المهمة لدخول الإنسان في التاريخ، وهو يحددها في أربعة مواقف، ص 42:
– من المنشأ البشري
– من الطبيعة البشرية
– من الوظيفة البشرية
– من المصير البشري
وتعد هذه المواقف بمثابة الأبعاد الفلسفية، أو المداخل الكبرى للصيرورة الاستخلافية، والتي لا يمكن للإنسان أن يدخل التاريخ لأداء وظيفته الحضارية دونها، وكل تفسير للتاريخ، إنما يعتمد نظرة معينة للطبيعة البشرية، في منشئها وطبيعتها ووظيفتها ومصيرها، غير أن النظرة الشركية، تجتزئ هذه الطبيعة عمدا، أو لا تدرك منها غير الأبعاد التي تريد أن تدركها، ثم تقوم، بقراءة التاريخ كله، وفقها، فلا يكون التاريخ هو التاريخ الإنساني في كليته، وإنما تاريخ تلك النظرة، أو الفكرة، أو الطبقة، فلذلك، لا يمكن له الإفلات من أسر ذاتيته هذه، مما يدخله بعد ذلك، في متاهات الصراع والاهتلاك والعدمية .
ينتقل الكتاب بعد ذلك، لصياغة المداخل الكلية لسنن الصيرورة الإستخلافية، وهي موقف يتخذه المجتمع من سنن الابتلاء، والتدافع، والتداول، والتجديد، حيث تمثل سننا تحكم التعاقب التاريخي للجماعات البشرية، على مسرح التاريخ، من مرحلة الابتلاء، إلى التدافع، إلى التداول والتجديد، فهي باعتبارها سننا أو قوانين، تخضع لها التجربة الانسانية في نموها واطرادها، تعتبر أيضا، مراحل مفصلية، للإنتقال التاريخي، لا بد للدورة التاريخية الانسانية أن تمر عليها وأن تعيها، وكلما استطاعت أن تتعمق وتستثمر في السنن الأخرى (التسخيرية)، وأن تتخذ موقفا صحيحا في أبعاده الغائية، كلما أصبحت قدرتها على التدافع والتداول والتجديد متعاضدة، فتهيمن على مسرح التاريخ مدة طويلة، ولا يعتريها الفناء.
ثم ينتقل الكتاب إلى إبراز البعد التسخيري لنظرية التدافع والتجديد، الذي يتأسس على الكليات الأربع الآنفة الذكر، وهي كلية سنن الآفاق، وكلية سنن الأنفس، وكلية سنن الهداية، وكلية سنن التأييد. وعلى هذا، فإن نظرية التدافع والتجديد، تقوم على ثلاثة مداخل كبرى، هي:
– المدخل العقدي
– المدخل الإستخلافي
– المدخل التسخيري
وهي مترابطة أشد الترابط فيما بينها، حيث يمثل المدخل الكلي أو الفلسفي أو العقدي نقطة الانطلاق التي يتحدد على ضوئها، مستوى التحكم في السنن التسخيرية، وهذه بدورها، تشرط وتدفع الصيرورة الاستخلافية، في اتجاهاتها ومراحلها المتعاقبة، بداية من الابتلاء وإلى التدافع، ثم التداول فالتجديد. وكمثال على ذلك، تحدد النظرة للإنسان، من طرف الفرد والمجتمع والثقافة المتبنية لهذه النظرة، نوعية السنن التسخيرية التي ستتجه نحوها لتسخيرها، كما تحدد نمط الصيرورة الاستخلافية، في مراحلها المتعاقبة، إن كانت صراعية هدمية، أو توحيدية إيمانية، في ابتلائها وتدافعها وتداولها وتجديدها.
غير أن الكتاب عندما ينتقل إلى تفصيل هذه الأبعاد بعد ذلك، يركز بشكل أساسي على البعد أو المدخل الإستخلافي، متخذا إياه كمنطلق لمحاولة وضع مسار للحركة الاستخلافية، بدءا بالابتلاء الذي يمثل: ((القانون الأساس أو المدخل لحركة الحياة البشرية كلها كما نبه إلى ذلك القرآن)) ص 49، باعتبار الإنسان كائنا مبتلى منذ اللحظات الأولى لمجيئه إلى الحياة، ثم التدافع ((كوظيفة عملية لازمة لتحقيق غايات ومقاصد الابتلاء، وكمحك معياري أساس للتربية والمعايرة والفرز والجزاء والتكريم، والاستمتاع بنعم الله التي يزخر بها عالم الشهادة، وبقية عوالم المراحل التالية من الدورة الوجودية للإنسان)) ص 53، ثم التداول الذي يمثل مصبا للحركة الإستخلافية، على ضوء أصالة وفعالية واطرادية التدافع، والذي يرتبط بشكل منهجي بسنتي الوهن والتجديد ((فالضعف والتراجع والتخلف والغثائية والتبعية الحضارية.. محكوم على الدوام بقانون الوهن الحضاري)) ص 61، بينما القوة والتمكين والتألق الحضاري، محكوم باستمرار بقانون التجديد الحضاري.
ولذلك يركز الأستاذ الطيب برغوث فيما تبقى من الكتاب، على الكلية الأخيرة في البعد الاستخلافي، وهي كلية التجديد الحضاري، بدءا بشرح الارتباط الوثيق الذي يحكم التداول بالتجديد، ثم التأصيل الإسلامي لقانون التجديد، خاصة في الحديث الشريف: ((إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها))، ثم خصائص ومقومات التجديد، باعتباره حركة تواصل وتكامل لا تقبل التجزئة والقطيعة، وباعتباره مستصحبا لثوابت التاريخ أو التراث وقيمه الخالدة وحكمته الباقية، وباعتباره وصلا للحاضر بالعصر، وللحاضر بالمستقبل. ((فالفعل التجديدي الحقيقي هو الذي ينقل التاريخ إلى الحاضر والعصر، وليس ذلك الذي يحاول عبثا نقل الحاضر والعصر إلى التاريخ وحبسهما فيه وأنى له ذلك وويل له من ذلك)) ص77، محيلا إلى منهجية القرآن في فعله التكاملي، عندما يستحضر المستقبل والماضي والحاضر معا، في عالم الغيب المستقبلي، أو في الماضي البعيد، ((ففي الدورة الإنجازية لكل فعل قرآني، نلحظ حضور الماضي والمستقبل، الذي لا يقصره الفعل القرآني على عالم الشهادة، بل يمتد به إلى ما وراء ذلك، ليستوعب امتدادات تأثيره على بقية مراحل الدورة الوجودية للإنسان، ثم يعيد عكسه بكل قوة وتأثير على عالم الشهادة عامة، وعلى لحظة أو موقف الانجاز الآني منها خاصة، ليمحه أقصى درجات أصالته وفعاليته وقابليته للاطراد)) ص77.
وبعد أن يذكر المفكر بعض ميزات التجديد الحضاري، ينتقل إلى ضرورة سننية النظرة إلى هذا التجديد، وأنه محكوم بسنن تسخيرية مطردة هي منظومة سنن عالم الآفاق، ومنظومة سنن عالم الأنفس، ومنظومة سنن عالم الهداية، ومنظومة سنن عالم التأييد، ويركز المفكر خاصة على منظومة سنن الهداية، باعتبار الدين القانون الذي يحفظ توازن الحياة الاجتماعية والحضارية، ويمكن كل فرد فيها من أداء دوره في النظام الاجتماعي والحركة الحضارية بانتظام)) ص 91، فالدين هو محور ارتكاز الدورات التجديدية ذات النفس الحضاري الاستخلافي، وهو الذي يميزها عن الدورات التجديدية ذات النفس الامبراطوري الاستكباري الطاغوتي.
وربما يعود التركيز على هذه الكلية وحدها، أي كلية التجديد الحضاري، إلى أنها المحك الذي تصب فيه التجربة التاريخية كلها، وتستثمر فيه السنن التسخيرية، للحفاظ عل موقعها على مسرح التاريخ، فبدونه تعود التجربة إلى وهنها وضعفها، بنشوء وتطور التناقضات فيها، واستحكامها فيها حتى تذهب بها. ويسمي الدكتور الطيب برغوث هذه العملية بـ: تصفية المديونية الحضارية، أي عملية التطهر من التناقضات الناشئة، والتي تحدث أثناء المسيرة التاريخية، وتنشأ عن اختلال العلاقات بين المنظومات السابقة، وبدون وجود آلية للتطهير، لا يعود بالامكان التقدم في التاريخ.

ولا يكتفي الكتاب بهذا البحث النظري المؤصل لنظرية التدافع والتجديد، بل يفرد ما تبقى من مساحته بعد ذلك للجانب الاجرائي العملي لكيفية البدء في عملية التجديد الحضاري، ليغوص في كيفيات التطبيق لها على الصعيد العملي

من النظر إلى التطبيق:

لا يكتفي الكتاب بهذا البحث النظري المؤصل لنظرية التدافع والتجديد، بل يفرد ما تبقى من مساحته بعد ذلك للجانب الاجرائي العملي لكيفية البدء في عملية التجديد الحضاري، ليغوص في كيفيات التطبيق لها على الصعيد العملي، مانحا أهمية بالغة للبعد التربوي، باعتباره المدخل المحوري لعملية التجديد كلها، ولذلك يوليه المفكر أهمية كبيرة، مركزا عل ضرورة شحذه بالثقافة السننية المتكاملة، ((التي تخرج المسلم من الوهم والخرافة والغوغائية، وتصله بحقائق الحياة والوجود، وتضع يديه على مفاتيح سنن التسخير، في الآفاق والأنفس والهداية والتأييد)) ص 105 .
لذلك أيضا، فمن الضروري أن تقوم التربية، في شتى المجلات على هذه الثقافة السننية دائما، والتي يجب أن تتسم بالشمول لكافة مجالات الحياة، وبالمنطقية والعلمية، وبالمنهجية، والتجددية.
وفي الأخير يقترح المفكر، جملة من الأولويات التي يجب على الفعل التربوي الاهتمام بها، وهي تتمثل باختصار في شحذ الفعالية الفكرية والروحية والسلوكية والإنجازية للفرد والمجتمع.
بعد هذا التتبع للكتاب، يمكننا أن نخرج بملاحظتين مهمتين حوله:
أولهما: التركيز الشديد على مفهوم السننية، باعتباره ثقافة تمنح المسلم، نظرة بعيدة وشاملة للظواهر التي يتخبط فيها بإدراكاته الضعيفة لها. والسننية لها ثلاثة مفاهيم رئيسية يحددها الدكتور الطيب برغوث في خلاصته للكتاب:
– سننية الغاية التاريخية: وهي أن التاريخ يحمل سننا كونية وغائية تتمثل في التوحيد والعبودية والاستخلاف، والعمران وغيرها، وهي تمثل غايات التاريخ نفسه، التي يجب الاستناد إليها في أي تقدم أو فعل تاريخي، حتى يحافظ على سننيته.
– سننية التقدم التاريخي: حيث يتقدم التاريخ وفق سنن ثابتة، تتجلى في الابتلاء والتدافع والتداول والتجديد.
– سننية الفعل التاريخي: وضرورة أن يستند إلى سنن تتعلق بعوالم الآفاق والأنفس والهداية، ليحوز شروط صحته وتمكنه.
ثانيهما: هي وجود توازن بين التأصيل النظري لنظرية التدافع والتجديد، وبين التنزيل على أرض الواقع، حيث يسير الكتاب متدرجا من النظرية إلى التطبيق، ومن التجريد إلى الواقع، مفككا ومركبا لأهم أوضاعنا ومواقفنا، في سمفونية متوزانة، تعيد صياغة رؤيتنا لذواتنا وأدوارنا وغايتنا كبشر وعبيد مستخلفين، وهو ما ينقص الكثير من التنظيرات والتأصيلات التي يطرحها علماء ومفكرون، فلا يلتفتون إلى الجانب التطبيقي إلا نادرا وهذا يضع المسؤولية كاملة على عاتق الإنسان وهو يفعل ويتقدم في التاريخ، في نفس الوقت الذي يعي فيه هذا التقدم ويفهم شروطه ومراحله والقوانين التي تحكمه والغايات التي يحملها، فتنتفي عن الفعل التاريخي كل الشطحات والأوهام التي تثبط من قدرته، وتحطم من معنوياته، ويكون على وعي تام بمسيرته وتقدمه.
وفي الأخير أتمنى ألا أكون قد أخطأت في فهم بعض المفاهيم والمصطلحات، أو الأفكار كما حددها مفكرنا الأستاذ الطيب برغوث، وإن كان ذلك قد حدث، فليعذرني أستاذي عليه، وأتمنى له من الله الحفظ والتوفيق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × 5 =