أخبار عاجلة

حوار جريدة البصائر مع المفكر الدكتور الطيب برغوث

أجرى الحوار: أ.حسـن خليفة

لعله واحد من الحوارات القليلة الوسيعة والمركّزة الذي يُجرى مع الباحث والكاتب والمفكر الجزائري المعروف الشيخ الدكتور الطيب برغوث ..  وقد كان التركيز فيه (الحوار) على توفير شروط الانطلاق والإقلاع التي ينبغي أن يتهيأ لها المجتمع الجزائري وينجزها، عبر المرور ـ الحتمي ـ على جسر الوعي السّنني، وفقه الأولويات، والعمل الدعوي ـ التربوي ـ الثقافي المقدور والمدروس…

الحوار طويل ننشره على حلقتين أو أكثر ـ إن شاء الله ـ للإفادة وأيضا للاستئناس وفتح النقاش في موضوع النهضة والوعي والإقلاع الحضاري وواجبات النخب ..

الجزء الأول

o     هل يمكن أن تقدم لقرائنا سيرة موجزة ..؟

الطيب برغوث يعتز كثيرا بكونه من جيل الثورة الذهبي، وأن أباه برغوث مبارك كان من أوائل المجاهدين الشرفاء الأوفياء لروح الثورة، دخل المدرسة الابتدائية الوطنية وعمره 13 عاما، ومع ذلك تمكن من دخول المعهد الإسلامي بباتنة حتى نال شهادة البكالوريا في العلوم الإسلامية، ثم التحق بجامعة قسنطينة ونال منها شهادة ليساس في علم الاجتماع، ثم جامعة الجزائر ونال منها مقدمة الدراسات المعمقة، ثم معهد أصول الدين بجامعة الجزائر وجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية ونال منها شهادتي الماجستير والدكتوراه في الدعوة والإعلام، واشتغل بها أستاذا لمناهج الدعوة، كما اشتغل في القسم الإعلامي بوزارة الشئون الدينية فترة من الزمن، ثم جاءت المحنة الوطنية الكبرى، فوجد نفسه في ديار الغربة مكرها، منذ ما يزيد عن ربع قرن من الزمن، في مملكة النرويج الجميلة، يساهم مع الأقلية المسلمة هناك في التعريف بالإسلام والثقافة الإسلامية، والتأسيس للوجود الإسلامي، وهو يحمد الله تعالى على ذلك، مستيقنا بحكمته وتقديره سبحانه، الذي علمنا في القرآن قاعدة عقدية عظيمة هي: (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم) وفي آية أخرى: ( ويجعل الله فيه خيرا كثيرا). فالمسلم المؤمن كالغيث أينما وقع نفع، ونحن ندعو الله تعالى أن يجعلنا من هؤلاء إن شاء الله.

o     ألفت حتى الآن نحو 40 كتابا .. هل يمكن أن يعرف القارئ أهم الحقول التي تهتمُّ بها ـ أكثر من غيرها ـ ولماذا ؟ وما هي أهم الكتب المؤثرة ؟

 هذا من فضل الله علي، وأنت تعرف أنني كنت منذ وقت مبكر من حياتي مسكونا بحب القراءة والكتابة، وأظن ذلك قد أتى بعض ثماره في حياتي إن شاء الله تعالى، وما أعظمه من حب وهواية وحرفة! وكتبي المطبوعة والمخطوطة تتجاوز 70 كتابا والحمد لله على ذلك حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه.

أنا شغفت بالتاريخ الجزائري فترة مهمة من مرحلة شبابي ولازلت، وأخذت منه بعض حظي، ثم اتسع اهتمامي فشغفت بالأدب والثقافة العامة، فأخذت منهما بعض حظي كذلك، وأكرمني الله تعالى بأخذ حظي من الدراسة الشرعية المنتظمة والقراءات الحرة الواسعة الممتدة فيها كذلك، ثم أخذت حظي من دراسة العلوم الاجتماعية والإنسانية عامة دراسة منتظمة وقراءات حرة واسعة متواصلة، ثم أكرمني الله تعالى مبكرا كذلك بالانخراط في الصحوة الروحية والاجتماعية الكبيرة التي شهدها المجتمع الجزائري بعد الاستقلال، فأخذت حظي منها على مستوى الوعي والتربية والحركة، ثم أفضى بي ذلك كله إلى ساحة اعتبرها من أهم وأعز الساحات في المعرفة والثقافة الإسلامية والإنسانية عامة، وهي ساحة فقه النهضة الحضارية أو فلسفة التاريخ والحضارة كما يسميها البعض.

فهذا المسار الممتد في ساحات معرفية وثقافية متنوعة كما ترى، انتهي بي إلى هذه الساحة المعرفية المهمة جدا، بالرغم من أنها ما تزال ساحة بكرا لحد الآن، والاهتمام بها ما يزال في بداياته، والمرتادون لها قلة حسب رأيي، وهذا هو الحقل المعرفي المركزي الذي تمحورت حوله جل اهتماماتي منذ وقت مبكر، سواء على مستوى القراءة أو الكتابة والتأليف والانشغال التربوي والثقافي عامة.

o     لماذا لم يجمع ويطبع تراثكم الفكري كله لحد الآن؟ ألا تخشون عليه؟ خاصة وأنكم تقدمتم في السن، والأمراض تترصد الناس، والموت يتخطفهم بلا هوادة؟

أنا حريص على أن تجمع كل آثاري الفكرية والتربوية والإصلاحية المكتوبة والمسموعة والمرئية، وهي كثيرة ومتنوعة، وتطبع وتنشر ليستفيد منها الناس من ناحية، ولأنها جزء من تراث المجتمع الجزائري من ناحية أخرى، وهذا ما أحرص عليه إذا أطال الله في عمري وأعطاني قوة الفكر والبدن إن شاء الله.

وأود هنا أن أنوه إلى أن بعض الفضلاء انتبهوا إلى هذا الأمر منذ وقت مبكر، ومنهم أنت يا أخي حسن وكذلك أخي داود رحمه الله، وشرعوا في طباعة بعض كتبي منذ بداية ثمانينات القرن الماضي، ثم تولى أخي مراد موزالي رحمه الله تعالى طباعة الجيل الثاني من كتبي، وكان يأمل أن يجمع ويطبع وينشر كل تراثي الفكري، ولكن الأجل سبقه، فهب جيل جديد من الرساليين من بعده مباشرة، لتأسيس ما سموه وقفية نشر التراث الفكري للشيخ الطيب برغوث، خوفا على ضياعه، والتي أتمنى أن يساهم فيها كل من يرى في المشروع الفكري الذي أطرحه خيرا للمجتمع والأمة، وأنا سعيد بذلك، وسوف أذكر سجلهم الذهبي يوما لتتأسى بهم الأجيال، لأنه لأول مرة في تاريخنا المعاصر حسب علمي، ينتبه بعض الفضلاء من ذوي السعة في الرزق والوعي، للمساهمة في حفظ وحماية ونشر تراث مثقف جزائري، وهي سنة حميدة نرجو أن تتعمم وتدوم، وتتحول إلى عرف ثقافي واجتماعي إن شاء الله تعالى.

o     هذه فكرة مهمة فعلا لو انتبه إليها الناس، وترسخت في أجوائنا الثقافية، لأحدثت تغييرات مهمة في حياتنا، فهل من توجيهات أخرى فيها؟

نعم، هي فكرة في غاية الأهمية، وهي جزء مهم من ثقافة الوقف أو العمل الخيري العام، ومؤشر على قوة الوعي، وصدق النية والإخلاص لدى الأفراد في المجتمع، لأن إقامة مؤسسات تتولى رعاية المفكرين والعلماء والمبدعين عامة، ونشر فكرهم وتراثهم وحمايته من الضياع، من أهم المجالات التي تدر الحسنات على صاحبها، كما أنها من أهم الأعمال التي ينتفع بها المجتمع، إذ ليس هناك ما هو أفضل من نشر العلم والمعرفة، وترقية وعي الناس بسُنن الحياة، لكن مع الأسف هذا المستوى من الوعي السّنني لدى الناس ما يزال محدودا جدا، فقد تجد المئات والآلاف منهم ينفقون في أعمال البر الاجتماعية المختلفة، ولكن من النادر أن تجد من ينفق ماله في مجال نشر الوعي السنني في المجتمع، مع أنّ هذا الوعي هو السياج الذي يحمي كل الأعمال الخيرية الأخرى، ويكتب لها القبول والبركة، وهو يدخل في عمق مفهوم الحكمة التي من أوتيها فقد أوتي خيرا كثيرا!.

نحن نعاني كثيرا من ضعف وقصور فقه الأولويات، ولا نعرف ما هي الساحات الأكثر فائدة وقيمة وبركة لنستثمر فيها جهودنا وأوقاتنا وأموالنا.. مع أن هذا الفقه يعد مؤشرا أساسيا في قياس وعي الأفراد والمجتمعات. فانظر مثلا كم محسن ساهم في بناء مساجد كبيرة رائعة، وتصدق بصدقات مجزية، وسير قوافل إلى الحج والعمرة.. ولكن لا تجد من فكر أو بادر إلى بناء مقر محترم لائق بدرة الجمعيات عندنا وهي جمعية العلماء وتاريخها معروف، وجهدها التربوي الاجتماعي الكبير معروف أيضا ، أو المساهمة في تأسيس قناة تلفزيونية لها، تبث من خلالها الوعي المتوازن في أجيال المجتمع.

إن هذه الساحة من ساحات الوعي الأولوياتي المهم جدا، لم تنل حقها من العناية، ولذلك ينبغي أن يبادر العلماء والمربون والمفكرون والأئمة.. إلى الاهتمام الكبير بها، حتى يقبل الميسورون منا على رعاية العلماء والمفكرين والمبدعين والمؤسسات الجادة في المجتمع، حتى يؤدي الجميع دورهم بالفعالية المرجوة إن شاء الله تعالى.

إننا في حاجة ماسة إلى تقديم نماذج عملية للأجيال في كيفية التعامل مع تراث وخبرة علماء ومفكري المجتمع والأمة، وحفز الهمم لتعميمها؛ حتى نثمن وننقذ خبرتنا وتراثنا الفكري من الموت مع موت من ساهموا في بنائه.

إن المجتمع في حاجة إلى تقديم نماذج حية له، عن طرق التكفل برعاية العلماء والمفكرين والمبدعين عامة، حتى يحذو الناس حذوها، ويكثر في المجتمع الرعاة لخبرته وحكمته، والمتنافسون في ذلك، ونكون بذلك قد أسسنا لقاعدة جديدة في ثقافتنا هي قاعدة ” وراء كل مفكر أو عالم أو عظيم رعاة خيرون “.

o     نعود إلى فكرة ساحة فقه النهضة الحضارية التي وجدتم أنفسكم فيها، وجعلتموها من اهتماماتكم المعرفية الرئيسة، فماذا تقصدون بساحة فقه النهضة الحضارية؟ وهل هناك من قادكم إلى هذه الساحة البكر كما تسميها؟

هذه الساحة تعتبر مصبا محوريا لكل العلوم والمعارف التي أوجدها الإنسان حتى الآن، والتي سيوجدها عبر القرون، بل ولحركة الوحي والرسالات السماوية من قبل، لأنها ساحة تهتم بالمؤثر الأساس على حياة الإنسان الدنيوية وعلى مصيره الأخروي، ألا وهو النهضة الحضارية، أي تحقيق الخلافة في الأرض بما هي عمارة لها، وإقامة لنظام العدل والإحسان فيها، التي تتم عبر الموجات الحضارية الكبرى التي تفرزها حركة المدافعة والمداولة الحضارية المهيمنة على الوجود الإنساني في الأرض بشكل مطرد.

فالكلمة والسلطة والنفوذ والهيمنة في الحياة الدنيوية للإنسان، هي للحضارات الكبرى، فمن تمكن من المجتمعات الإنسانية من تحقيق نهضته الحضارية المتوازنة، فقد أنجز خلافته في الأرض، وأمسك بزمام القوة والمبادرة والتأثير والعزة والمكانة، ومن عجز عن ذلك فقد عرَّض نفسه للضعف والتخلف والغثائية والتبعية الحضارية المهينة، وعرض مصيره الأخروي لمخاطر كبرى، باعتبار الوضع الأخروي نتيجة للوضع الدنيوي للإنسان.

لهذا فإن جميع العلوم والمعارف الجزئية التخصصية المختلفة، التي أوجدها الإنسان والتي سيوجدها لاحقا، تنصب حول هذه القضية المركزية، وتستهدف منح الإنسان إمكانية الإمساك بشروطها المطلوبة، حتى يحقق وجوده الحضاري ويحميه ويستمتع به، ويستثمره في تحضير وتأمين وجوده ومصيره الأخروي، وحتى يتجنب مهالك ومهانات الضعف والتخلف والتبعية الحضارية..

هذا الحقل المعرفي يبحث عن السنن والقوانين الكلية التي تؤثر في قيام الدول والمجتمعات والحضارات وقوتها ونفوذها، أو في ضعفها وتقهقرها وذهاب ريحها. أي في شروط تمكين الإنسان من تحقيق إنسانيته والارتقاء بها في مدارج الكمال الإنساني، بكل ما يعنيه ذلك من شيوع الخيرية والبركة والرحمة الكونية في حياته وفي حركته الثقافية الاجتماعية والحضارية عامة.

o     وماذا عن المؤثرات التي قادتكم إلى هذه الساحة المعرفية؟

أما عن سؤالك عن المؤثرات المباشرة التي ساعدتني وقادتني إلى هذه الساحة المعرفية المحورية، فهي كتابات مالك بن نبي رحمه الله تعالى، وكتابات الإمام عبد الحميد بن باديس والإمام محمد البشير الإبراهيمي.. التي انتفعت بها مبكرا جدا، أي في مرحلة التعليم الإعدادي بالمعهد الإسلامي، والتي أحالتني على مقدمة ابن خلدون التي اقتنيتها و”تمرمدت” في قراءتها، كما أحالتني كذلك على كتابات غربية مهمة جدا، ككتابات توينبي وغوستاف لوبون على سبيل المثال، ثم في الجامعة اتسعت آفاقنا المعرفية بدراسة العلوم الاجتماعية والإنسانية كما سبق ذكر ذلك، سواء بشكل نظامي مدرسي أو بشكل قراءات حرة منفتحة على غالب فروع المعرفة في هذين الحقلين المعرفيين الهامين جدا.

o     كيف يبدو أفق الدعوة والعمل الدعوي الإصلاحي التغييري المستقبلي للشيخ الدكتور بعد تجربة طويلة في هذا الحقل؟

العمل الدعوي التربوي الإصلاحي ضرورة اجتماعية، وهو يدخل في صميم فقه النهضة الحضارية، إذ كلما نهضت نخب المجتمع الثقافية والاجتماعية والسياسية، كل بما يقدر عليه وبما يخص مجال اهتمامه، بهذا العمل وأدّاهُ بشكل صحيح وفعال، يجمع فيه بين الإخلاص لله تعالى، وتحقيق الصواب والفعالية فيه، كلما نما وعي الأفراد، واستقامت نفوسهم، وزكت أرواحهم، وانضبط سلوكهم وجَمُل، وتحسن عملهم وارتقى في مدارج الخيرية والبركة والرحمة الكونية العامة، وتمتنت شبكة العلاقات الاجتماعية في المجتمع، وساهم ذلك بقوة في إصلاح أحوال الدولة والمجتمع، ومكنهما من النهوض بواجباتهما تجاه الإنسان الجزائري، وتحقيق طموحاته في العيش الكريم، وفي النهوض بدوره تجاه مجتمعه ودولته وأمته ومحيطه.

أما إذا قصرت هذه النخب تجاه العمل الدعوي والتربوي والإصلاحي، وغفلت عنه، أو خذلته، أو أساءت له، أو اتخذته مطية لأغراض غير شريفة، أو لم تعرف كيف تنهض به بشكل صحيح، فإن ذلك كله سينعكس سلبا على الإنسان نفسه وعلى المجتمع والدولة، بالمزيد من الارتباك والاختلالات والضعف، وقلة الأمن النفسي والروحي والاجتماعي، وشيوع الفواحش والمهلكات واستفحال أمرها.

إن النهوض بواجب الدعوة والتربية والإصلاح مقام عظيم عند الله تعالى، ومقصد شريف ينبغي على كل مسلم أن يتوق إلى بلوغه أو بلوغ بعض مستوياته، وأن لا يبخل نفسه أو يغبنها من بركاته، لأن المساهم الجاد في الشأن الدعوي والتربوي والإصلاحي العام، تتوفر له الكثير من الشروط والأجواء البالغة الأهمية، التي بها يصلح نفسه ويرتقي بها في مدارج الكمال الإنساني بالدرجة الأولى، أما من حرم نفسه من هذه الشروط والأجواء المهمة، فإنه يكون قد غبن نفسه فعلا وربما خانها، ولم ينصح لها النصح المطلوب! والعهد في الإنسان أنه محب لنفسه ناصح لها، حريص على خيرها قبل غيرها، يتحرى دائما النفع الأعلى لها.

o     كيف ننمي هذا الوعي الدعوي في الأجيال، وكيف نحفزها لتستفيد من هذه الفرصة العظيمة التي يتيحها الانخراط في العمل الدعوي والتربوي والإصلاحي، لتحقيق التربية الذاتية والإصلاح الذاتي للفرد بالأساس؟

نعم، الإنسان ينضج فكريا ونفسيا وروحيا وسلوكيا، وتكتمل خبراته، وتزداد فعاليته، وتعظم بركته، بقدر ما يندمج في الأعمال الدعوية والتربوية والإصلاحية العامة، وخاصة إذا كانت المؤسسات التي يندمج فيها، ذات عراقة ومصداقية وعامرة بالبركة، كجمعية العلماء مثلا عندنا في الجزائر، التي تعتبر درَّة الجمعيات وتاجها ومفخرتها بتاريخها المفعم بالصدق والإخلاص والخيرية والبركة والرحمة.

فكلما رأى الناس الصدق والإخلاص والنقاوة والقدوة الرسالية الحقيقية في هذه المؤسسات، وفي مسئوليها والناشطين في إطارها، كلما ازدادت ثقتهم فيها، وإقبالهم عليها، وانخراطهم فيها، وخدمتهم لها، وبالتالي انتفاعهم بها في حياتهم، لأن تلك الأجواء الروحانية والأخلاقية العالية السائدة في هذه المؤسسات، ستنتقل إليهم، وستؤثر فيهم، وستسرع وتعمق نضجهم الرسالي، وترفعهم إلى مقامات قدواتية عالية في المجتمع، وهذا ما يطمح إليه كل رسالي في هذه الحياة، أن يكون قدوة وإماما للمتقين، كما جاء ذلك على لسان عباد الرحمن في قوله تعالى على سبيل المثال: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} [الفرقان : 74].

فالقدوة الرسالية مؤثر حاسم في العمل الدعوي والتربوي والإصلاحي، وقوة مغناطيسية جاذبة لا تقاوم، ومادة سحرية مبطلة لكل دعاية مغرضة ضد الدعاة والمربين والمصلحين. ولهذا فإن أعظم ما تحتاج إليه الدعوات وحركات الإصلاح الاجتماعي اليوم وفي كل يوم، هو الأجواء السلوكية الروحانية الأخلاقية النظيفة في الأشخاص والمؤسسات التي تتفرغ لهذا الأمر؛ لأن ذلك هو مقدمة الفعالية الإنجازية العالية في الدعوة والتربية والإصلاح الاجتماعي وزينتها، ولذلك على كل من أكرمه الله تعالى بالانخراط في الأعمال الدعوية والتربوية والإصلاحية أن يعطي القدوة من نفسه، وأن لا يتساهل في ذلك، وخاصة إذا كانت المؤسسات التي يتحرك في إطارها عريقة نظيفة ذات سمعة ومكانة وهيبة، كجمعية العلماء عندنا في الجزائر على سبيل المثال، التي يفترض أن تستصحب بشكل دائم الروحية والأخلاقية والسلوكية العالية، والفعالية الإنجازية الكبيرة، التي يشعر بها كل من يقرأ تاريخها، ويرصد أعمالها ومنجزاتها غير العادية.

o     إذن الآفاق المستقبلية للعمل الدعوي والتربوي والإصلاحي تتحرك ضمن هذه الشروط والمؤثرات أو المحددات الأساسية التي أشرتم إليها؟

بكل تأكيد! فالآفاق المستقبلية للعمل الدعوي والتربوي والإصلاحي الرسالي، تحددها هذه الأجواء الروحية والنفسية والأخلاقية المتينة، وهذه السلوكية الجمالية المنسجمة المتوازنة، وهذه الكفاءة والفعالية الإنجازية العالية، التي يجب أن تسود في حياة كل من شرفه الله بهذه الخدمة، وفي أجواء كل مؤسسة تضطلع بهذه المهمة النبيلة، أما ما عدا ذلك فإنه سيكون جناية على الدعوة والتربية والإصلاح الاجتماعي الرسالي المنشود، وسيكون بالتالي نقمة دنيوية وأخروية على صاحبه، ونقمة على المؤسسات الدعوية والتربوية والإصلاحية التي يتحرك في إطارها لا قدر الله! لأن الأفكار والقيم والمشاريع الصحيحة المخذولة تنتقم ممّن خذلها شر انتقام! فليحذر كل واحد منا فردا أو مؤسسة، من مغبة ذلك، وليوطن نفسه على الصدق والإخلاص، وليحرص على أن يكون قدوة في روحيته وأخلاقه وسلوكه وعمله وعلاقاته، ليكون إن شاء الله تعالى ممن يسجلون أنفسهم في سجل الخالدين الذين تذكرهم الأجيال عبر التاريخ، كما قال سيدنا إبراهيم عليه السلام في دعائه العظيم: ( وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ )[الشعراء : 84].

o     لكن المشكلة هي كيف نعد أنفسنا ونعد الأجيال لذلك؟ ما السبيل إلى هذه الأجواء الروحية والأخلاقية، وهذه السلوكية الجمالية، وهذه الكفاءة والفعالية العالية، التي تعطي للعمل الدعوي والتربوي والإصلاحي زخمه وتأثيره وبركته ورحمته العامة التي وصفتموها؟

هذه فعلا مشكلة المشكلات! وتجاوزها يرتبط بطبيعة الوعي الرسالي ومستواه وكيفية اكتسابه والتحقق به من ناحية، كما يرتبط أيضا بطبيعة الإعداد التربوي الروحي والأخلاقي والسلوكي للإنسان منذ وقت مبكر من ناحية أخرى، ويرتبط أيضا من ناحية ثالثة بالمؤسسات الرسالية التي ينبغي لها أن تتولى المساهمة في ذلك.

ولا نقصد بالوعي هنا مجرد الإدراك الجيد والفهم السليم للأمور وما ينبغي أن تكون عليه فحسب، بل نعني به كذلك الإرادة والرغبة القوية المصاحبة للفهم والدافعة إلى العمل، ومطابقة الحياة مع مقتضيات البعد النظري في الوعي. فالإنسان الواعي هو الإنسان الذي يحركه وعيه الذاتي السليم إلى مطابقة وضعه مع حقائق ومقتضيات ذلك الوعي، وعلى هذا فالوعي الحقيقي هو ترجمة الإنسان في تفكيره وسلوكه وعلاقاته وعمله.

فالمنطلق إذن هو أن نبني الوعي الرسالي المتوازن لدى الأجيال، وأن نحوله إلى ثقافة عامة يمتصها ويحملها الناس في المجتمع، ويجسدونها في واقع حياتهم الخاصة، وفي المؤسسات الدعوية والتربوية والإصلاحية التي ينشؤونها، أو التي ينتمون إليها، ويساهمون من خلالها في تربية وإصلاح نفوسهم أولا، ثم في دعم الجهد الدعوي والتربوي والإصلاحي الوطني العام ثانيا.

o     ما زال السؤال مطروحا بإلحاح، كيف نبني هذا الوعي الرسالي المتوازن لدى أجيال المجتمع والأمة؟

بناء هذا الوعي الرسالي المتوازن لدى أجيال المجتمع والأمة عامة، ونخبها الفكرية والاجتماعية والسياسية خاصة، يرتكز على شرط أساس وهو تجديد الوعي بمنظورنا السنني الكوني الكلي المتوازن، الذي يتجاوز بنا دوامة المنظورات الكونية الجزئية المنهكة، التي سجنا أنفسنا فيها، وأهدرنا الكثير من طاقاتنا وجهودنا وأوقاتنا وفرصنا فيها، دون جدوى فردية أو جماعية حقيقية! وهو ما يمكن أن نتعرض له لاحقا إذا شئتم، وهذا ما كرست له الجزء الأكبر من وقتي وجهدي وحياتي، وانتهيت إلى أن معضلة المعضلات في حياتنا الفردية والمجتمعية كمسلمين وكبشر عامة، تكمن في المنظورات السننية الكونية الكلية التي ننظر من خلالها إلى أنفسنا وإلى الحياة والكون والله سبحانه وتعالى، ونرتكز عليها في بناء العلاقات بكل هذه الدوائر الأساسية المؤثرة بعمق في حياة الإنسان وحركته الاجتماعية والحضارية ومصيره الأخروي.

فبناء الوعي بمنظورنا السنني الكوني الكلي المتوازن، هو مدخل بناء هذا الوعي الرسالي المتوازن لدى الأجيال، وهو شرط تمكينها من الفعالية الإنجازية الذاتية والاجتماعية المطلوبة، وكل تقصير أو قصور في إعادة بناء وتجديد الوعي بهذا المنظور الكوني الكلي، سيكرس واقع الضعف والازدواجية والتنافرية المنهكة في حياة الأفراد والأسر والمؤسسات والدولة والمجتمع، ويحرمنا من تحقيق نهضتنا الحضارية المنشودة، ومن حماية أمننا الثقافي والاجتماعي والحضاري، ويعرض وجودنا لمخاطر الغثائية والاستلابية والتبعية الحضارية المهلكة.

o     قبل العودة إلى بعض التفاصيل الخاصة بهذا المنظور الذي تعتبرونه مدخل الإصلاح والتجديد الحقيقي في حياتنا الفردية والجماعية، أود أن أسألكم عن سر التركيز في كثير من أبحاثكم وقراءاتكم على خصوصيات المجتمع الجزائري وأهمية فهمها لمن يريد إحداث التغيير الحقيقي ..حدّثنا عن ذلك..؟

حسنا! الوعي العميق بمعطيات المعادلة الثقافية والاجتماعية والحضارية لأي مجتمع من المجتمعات، هومن صميم الفقه أو الوعي السنني، فهو يشكل المدخل المفتاحي الأساس للنفاذ إلى العمق الفكري والنفسي والاجتماعي للمجتمع، وفهم روحه أو سيكولوجيته العامة، والنجاح في إصلاحه وخدمته وإدارته بشكل صحيح وفعال. كما أن الجهل بهذه المعادلة هو الصخرة التي تحطمت وتتحطم عليها كثيرًا من الجهود الدعوية والتربوية والإصلاحية والسياسية والتجديدية عامة عبر التاريخ.

ولا شك أن كل مجتمع له معادلته الثقافية والاجتماعية والحضارية الخاصة به، مهما كانت هناك قواسم مشتركة بينه وبين المجتمعات الأخرى، بل إن المجتمع الواحد فيه معادلات ثقافية واجتماعية متعددة، ينبغي الوعي بها، وفهمها وإحسان التعامل معها في عملية الدعوة والتربية والإصلاح والتغيير والخدمة.

ولذلك من المفترض أن تكون لدينا أدلة ثقافية مرشدة للدعاة والمربين والساسة وقادة الرأي العام، يهتدون بها في فهم المجتمع، والإمساك بمفاتيح الخدمة له والتأثير الإيجابي الفعال فيه، وقد كنت وضعت خطة في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، لإنجاز ما أسميته بالدليل الثقافي الاستراتيجي للدعاة والمربين وقادة الرأي العام، ولكن غربتي القسرية الطويلة حالت دون إنجازه مع الأسف الشديد.

وأنا من هذه الزاوية جزأرة حتى النخاع! على مذهب الإمام عبد الحميد بن باديس رحمه الله الذي لخص رسالته في الحياة بقوله إنني أعيش للإسلام والجزائر! لأن العيش للجزائر وخدمتها بالإسلام الصحيح، هو عيش وخدمة للأمة والإنسانية بل والطبيعة معا. ولذلك عندما بدأت ألاحظ مؤشرات الجهل بخصوصيات المعادلة الثقافية والاجتماعية والحضارية للمجتمع الجزائري، والغفلة عنها والتجاهل لها، ومحاولة القفز عليها، وأحيانا الاعتداء عليها عمدا! منذ نهايات سبعينات القرن الماضي، كتبت أربعة كتب في عمق هذه المعضلة، ونشرتها في بداية الثمانيات من نفس القرن، وهي القدوة الإسلامية، والواقعية في الدعوة الإسلامية، والدعوة الإسلامية والمعادلة الاجتماعية، والتغيير الإسلامي خصائصه وضوابطه، مواجهةً للموجات الفكرية والثقافية المشوشة التي بدأت تهب على المجتمع الجزائري من الشرق والغرب معا، وتستهدف خلخلة نسيجه الثقافي والاجتماعي الموحد والمنسجم إلى حد كبير، وحقنه بمعطيات فكرية وثقافية واجتماعية غريبة عنه تحدث فيه أضرارا بالغة.

o     ولكن ما هو تأثير هذه النظرة الاستشرافية عندك، في واقع الصحوة المجتمعية التي عاشها المجتمع الجزائري منذ بدايات الاستقلال، بالنظر إلى ما تعرضت له هذه الصحوة من ارتباكات وربما اختراقات وإجهاضات فكرية وثقافية و…؟

لا أدري بالضبط ما هو حجم هذا التأثير، ولكني لا أشك بأن ما طرحته في هذه الكتب كان له تأثير في أجيال من الشباب الذين عاصروا الصحوة وواكبوها وانتفعوا بها وأعطوها زخما فكريا وروحيا وأخلاقيا واجتماعيا كبيرا. ولكن دعني أذكر لك مثالا هنا عشته في النرويج مع شرطي جزائري شاب، خرج من الخدمة وجاء يبحث عن الدراسة والشغل، وهو من قسنطينة، وتعرف علي في مسجد الجمعية الإسلامية التي أقوم بإدارة خطبة الجمعة فيها، وتذكرني وطلب مني أن أعيره بعض كتبي التي بحوزتي ليقرأها، فأعطيته كتاب القدوة الإسلامية، وكتاب الدعوة الإسلامية والمعادلة الاجتماعية، وكتاب الواقعية في الدعوة الإسلامية، وبعد شهرين أرجعها إلي وسألني هذا السؤال المعبر: هل قرأ الجزائريون هذه الكتب فعلا؟ فقلت له: ماذا تقصد؟ قال لو قرأ الجزائريون هذه الكتب وفهموها ما وقع لنا ما وقع، ولما وجدنا أنا وأنت وغيرنا أنفسنا في ديار الغرب!

وإذا كان هذا الجزائري الشاب قد تأثر بما قرأه في هذه الكتب بعد أزيد من ربع قرن من صدورها، فلا شك أن كثيرين غيره ممن قرؤها في حينها، قد انتفعوا بها كثيرا، وما زالوا ينتفعون بها، كما تأتيني بعض الرغبات التي تلح على إعادة طباعتها.

وتعليقي العام على سؤالكم المهم، هو أن الأفكار والأطروحات الكلية الجادة، كثيرا ما تغطي عليها الموجات الفكرية العابرة، المستغرقة في الجزئيات والآنيات والعاطفيات والذاتيات ، وتخنقها حمى الحزبية والشعبوية والأيديولوجية.. ولا ينتبه الناس إليها إلا بعد أن تقع الفأس في الرأس، وتحدث الصدمات الذاتية والاجتماعية الكبرى، فيستيقظ وعيهم أو وعي بعضهم وينتبهوا  إلى الأهمية الكبيرة لمثل هذه الأفكار الجادة، التي كان الكثير يؤاخذونني عليها، ويشنعون بي بسببها! ولكن الحمد لله فإن بعض هذه الأفكار والأطروحات أصبحت فيما بعد جزءا من وعي وثقافة ومنهجية الكثير من الناس، ولعل هذا المثال الذي ذكرته آنفا، يعطيك مؤشرا مهما جدا عن المكابدة التي تمر بها الأفكار والأطروحات الجادة حتى تعرف طريقها إلى عقول الناس ونفوسهم وحياتهم! ولهذا قيل في الحكم أن الفتن والمحن إذا أطلت برؤوسها على المجتمعات، استشرفها العقلاء والعلماء، وإذا أكملت دورتها في طحن الأفراد والمجتمعات أدركها كل الناس!

o     بمناسبة الحديث عن الخصوصية والمعادلة الثقافية والاجتماعية للمجتمع الجزائري، كيف نوفق بين هذا وبين منطق المثاقفة والعالمية الذي يفرض نفسه على كل المجتمعات، وخاصة في زمننا هذا الذي انفتحت فيه الثقافات الإنسانية بعضها على بعض بشكل كبير وعميق؟

الانفتاح على حركة المثاقفة في محيطها الإقليمي والعالمي أمر لا مفر منه، بل هو ضرورة من ضرورات وشروط تطور المجتمعات وتجددها، وتخلصها من أمراض كثيرة مقعِدة لها عن النمو والتطور والنهضة. فالعزلة والانكفائية المستعلية أو الجبانة، باسم الخصوصية أمر قاتل، لأنها تكرس الأمراض والضعف في الفرد وفي المجتمع، وتحرمهما من عملية التجديد الحقيقية لأنفسهما ووضعهما، وكما يقال فإن قيمة الأشخاص والأفكار والأشياء تتضح وتتمايز بمقارنتها بأضدادها، حيث يكتشف الفرد والمجتمع قوتهما وضعفهما، ويتحركا لتعزيز القوة والتميز، والتخلص من الضعف والقصور.

وهذا ما يجب أن نفهمه في أمر الخصوصية الحقيقية المشكِّلة لمعادلتنا الثقافية والاجتماعية والحضارية، فهي جوهر وثوابت ينبغي الوعي بهما، والاعتزاز بهما، والتعزيز والتجديد المستمر لهما، أما ما هو غير جوهري وثابت فيها، ويدخل في إطار المتغيرات، فهو من الهوامش التاريخية المنتهية الصلاحية في مفهوم المعادلة الثقافية والاجتماعية والحضارية للمجتمع، يعتبر أي تشبث بها، مضادا لمنطق التاريخ وسننه، ومؤشر على ضعف وتخلف الوعي السنني في المجتمع.

فالخصوصية الحقيقية في المعادلة الثقافية والاجتماعية والحضارية لمجتمعنا، لا نعرفها على حقيقتها، ولا نكتشف قوتها أو ضعفها، ولا يمكن أن نطورها ونثريها، ونعزز بها انسجام المجتمع وتكاملية جهده وفعاليته، إلا في خضم حركة المثاقفة والمدافعة والتعارفية الحضارية العالمية، على أرضية الاعتزاز بجوهر هذه الخصوصية والمعادلة الاجتماعية، وتطعيمها بكل ما هو سنني من التجارب والخبرات الثقافية والاجتماعية والحضارية البشرية الأخرى.

وهذا هو جوهر ومقصد فكرة التعارف التي وردت في القرآن الكريم في سورة الحجرات: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)[الحجرات : 13]. وتعارف الناس واكتشاف ما عند بعضهم البعض من تجارب وخبرات وحكمة، أو ضعف وقوة، وخير وشر.. وانتفاع بعضهم من بعض، لا يتم إلا عبر عملية التواصل والاحتكاك والمثاقفة والمدافعة الثقافية والحضارية التنافسية، ومن جهل ذلك وعزل نفسه بسبب مركبي الاستكبار أو الدونية المرضيين، فقد حرم نفسه من النمو والنضج والخيرية والبركة والرحمة التي وزعها الله تعالى على البشر.

الجزء الثاني

هذا هو الجزء الثاني من الحوار المعرفي الفكري الثقافي المتشعب مع الأستاذ الدكتور الطيب برغوث الكاتب والمفكر الجزائري ،وقد كان الجزء الأول من الحوار صريحا وغنيا بالمعارف والتحليل، وفي هذا الجزء يضيف الأستاذ الطيب الكثير من الآراء المستنيرة والتحاليل الرائدة في مجال فهم المجتمع الجزائري وخدمته وما ينبغي أن يُبذل في سبيل الرقي به…وإلى الحوار:

o     ولكن السؤال الكبير الآخر هنا هو: كيف نَنْفُذ إلى ما تسميه بجوهر الخصوصية في المعادلة الثقافية والاجتماعية والحضارية للمجتمع الجزائري؟ ما هو هذا الجوهر أساسا؟

نعم، هنا تكمن معضلة أخرى من معضلات الوعي الكبرى، وهي كيف نحرر خصوصيتنا ومعادلتنا الثقافية والاجتماعية والحضارية من المتغيرات الفكرية والثقافية العرفية المستنفدة أو المنتهية الصلاحية، وننفذ إلى جوهرها السنني الثابت ونتشبث به، ونستصحبه معنا، ونتطور ونتجدد وننهض على ضوء ثوابت جذره أو روحه الجينية الثقافية النفسية الأصلية المستقرة؟ وهذا كله مرتبط بالمدخل المفتاحي للوعي وهو المنظور السنني الكوني المتوازن، الذي أسميته «بمنظور السننية الشاملة» ، إذ كلما أمسكنا بمفاصل الوعي بهذا المنظور وثوابته السننية، وضبطنا وعينا على ضوئه، أمكننا النفاذ إلى ثوابت الخريطة الجينية الثقافية الحقيقية للمجتمع، المسؤولة عن خصوصياته الحقيقية، أو روحه وسيكولوجيته العامة الثابتة، وجددنا العلاقة بها، وأحييناها وأثريناها، وعمقنا وعينا واعتزازنا بها.

ولذلك نبه القرآن إلى هذه القضية المحورية في مواطن عديدة، وحررها من كل الموروثات اللاسننية، أو الموروثات التي استنفدت أغراضها، ودعا الناس إلى مراجعة مواريثهم بشكل دوري مستمر، وتخفيفها من الأثقال السلبية التي تكبل وتكبح فاعلية حاضرهم ومستقبلهم، كما جاء ذلك مثلا في قوله تعالى: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[البقرة : 134]، وأشار إلى خطورة الموروثات السلبية على حركات التغيير والإصلاح والتجديد في المجتمعات، كما في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ) [الزخرف : 23].

ولعل ما يحمله شعار جمعية العلماء من مضمون يخص الدين بكل ثوابته ومقوماته، واللغة بكل أبعادها المكتوبة والشفهية، والوطن بكل جغرافيته البشرية والسيكولوجية والثقافية، وتطلعاته الحضارية، يشكل محورا أساسا لثوابت هذه الخصوصية أو المعادلة الاجتماعية للمجتمع الجزائري، التي تشكل المشترك الوطني بين الجزائريين، والإسمنت الذي يشد وحدة المجتمع، والإرث الذي تتغذى منه جميع الأجيال وتغذيه باستمرار، ويجب عليها أن تحميه وتنميه ولا تضر به. فهذا هو عمق المعادلة الاجتماعية للمجتمع الجزائري، بغض النظر عن التفاصيل والهوامش المهمة الملحقة بكل بعد من أبعادها الثلاثة المحورية.

o     نعود الآن إلى فكرة أو مشروع الدليل الثقافي الاستراتيجي للدعاة والمربين وقادة الرأي العام الذي ذكرته من قبل، حدثنا عنه قليلا؟

مشروع دليل الدعاة والمربين وقادة الرأي العام الذي أحببت إنجازه يوم كنت أستاذا في الجامعة الإسلامية، ولكنه توقف بسبب خروجي من الجامعة، مع أنني ما زلت أحلم بأن أنجزه أو أساعد من ينجزه من أجيالنا الجديدة، لأنه دليل يفترض أن تنهض به دولة أو مؤسسات ضخمة الإمكانات البشرية النوعية والمادية الضخمة، وهو دليل يركز على جغرافية وسيكولوجية وسوسيولوجية وتاريخ وخصوصيات كل منطقة داخل المجتمع الذي تستهدفه عملية الدعوة والتربية والإصلاح والخدمة.

فمجتمعنا مجتمع كبير ومتنوع وغني بعاداته وتقاليده وسيكولوجيته وسوسيولوجيته المركبة أو المعقدة، ويحتاج إلى دراسة وفهم لذلك كله، والنفاذ إلى مفاتيح معادلته النفسية والثقافية والاجتماعية والسياسية، والإمساك بها، والارتكاز عليها في تحديد طبيعة وأولويات وأشكال وفنيات العلاقة التي ينبغي أن تكون بين الدعاة والمربين والمصلحين والساسة وقادة الرأي العام من جهة، وهذا المجتمع من جهة أخرى.

ومن الخلاصات السننية الرائعة في هذا المجال، والتي ألهمتني في تأليف كتاب الدعوة الإسلامية والمعادلة الاجتماعية، ما قاله الإمام البشير الإبراهيمي رحمه الله عن مفاتيح النجاح في خدمة المجتمع: «من أراد أن يخدم هذه الأمة فليقرأها كما يقرأ الكتاب، وليدرسها كما يدرس الحقائق العلمية، فإذا استقام له ذلك استقام له العمل، وأمن الخطأ، وضمن النجاح والتمام له».

وقد عزمت كما ذكرت لك، بأن أشرع في إنجاز أرضية لهذا الدليل الثقافي الاستراتيجي.. من خلال توجيه أبحاث الطلبة الذين كانوا يدرسون عندي في الجامعة، أو غيرهم ممن كانوا في علاقات فكرية وتربوية معي خارج الجامعة، لجمع المعلومات التاريخية والجغرافية والثقافية والاجتماعية والسياسية والنفسية.. عن كل بلدية أو منطقة، وتنظيمها وتحليلها وتقعيدها، ووضع أرضية لدليل ثقافي استراتيجي عنها، يثرى ويعمق مع مرور الوقت، لينتفع به كل داعية أو مرب أو مصلح أو سياسي أو قائد رأي عام.. يريد أن يتحرك في تلك المنطقة ويؤثر فيها ويخدمها ويرتقي بانسجامها وتكاملها وتوازنها وفعاليتها الاجتماعية النافعة للمنطقة والمجتمع عامة.

والفكرة ما تزال من الأفكار ذات العمق الاستراتيجي البالغة الأهمية، وينبغي أن تشتغل عليها بعض نخبنا الثقافية الواعية التي تريد فعلا خدمة هذا المجتمع، وتعزيز انسجامه وتكامل جهوده وفعاليتها.

o     تناولت هموما وقضايا كثيرة متنوعة ..هل يمكن أن نعرف منك أهم الأولويات التي يجب التركيز عليها في العمل الحضاري الإسلامي الوطني؟

الأولويات كثيرة ومبعثرة وتحديدها صعب، إذ هناك أولويات في المجال الفكري الثقافي، وأولويات في مجال التربية، وأولويات في مجال السياسة، وأولويات في مجال الحياة الاجتماعية… وحيز هذه المحاورة لا يتسع للخوض في ذلك كله، ولهذا أود التركيز على أولوية استراتيجية مركزية بالغة الأهمية، ترتبط بها كل الأولويات الأخرى مهما تنوعت وتباينت.

فمن خلال تجربة طويلة، وقراءات واسعة عبر هذه التجربة، وتأملات مستمرة في واقع المجتمع الجزائري وواقع الأمة والإنسانية عامة، يمكنني أن أقول بأن جذر المشكلة في كل هذه الدوائر الإنسانية، يرجع إلى معضلة المنظورات الكونية المرجعية السائدة في هذه المجتمعات المختلفة، والمؤثرة فيها بشكل عميق، والتي كثيرا ما تتسم بالجزئية والتجزيئية والتنافرية المنهكة، سواء للشخصية الإنسانية، أو لحركية المجتمع والدولة، أو للعلاقات الإنسانية والكونية، لأنها منظورات تتأسس على رؤية جزئية للساحات الكونية الكبرى التي وزع الله فيها أو عليها سنن فهم الحياة وإدارتها بشكل صحيح وفعال وتكاملي، يضخ المزيد من الخيرية والبركة والرحمة الكونية في حياة الإنسان وحركة المجتمعات والدول والأمم والحضارات.

o     هل يمكن أن تعطينا بعض النماذج عن هذه المنظورات الكونية الجزئية كما تسميها، وتأثيراتها على حياة الإنسان؟

 فالمنظور الكوني المرجعي لنموذج الحداثة المعاصرة على سبيل المثال، الذي فرض وجوده على حياة الإنسان المعاصر بشكل شامل وعميق، يتمحور أفقه الفكري والمعرفي والحياتي عامة، حول ساحة سنن المادة أو ما أسميها، أخذا من القرآن الكريم، بساحة أو منظومة سنن الآفاق، وحول بعض جوانب ساحة أو منظومة سنن إدارة الأفراد والمؤسسات والدول والمجتمعات، أو ما أسميه، أخذا من القرآن كذلك، بسنن الأنفس، ولا يكاد يتعداها إلى غيره من الساحات أو المنظومات السننية الكونية الأخرى، ذات الأهمية الكبيرة في حياة الإنسان.

وهذه النظرة الجزئية للساحات أو المنظومات الكونية التي تتوزع فيها سنن الله في إدارة الحياة، كانت لها عواقب سيئة كثيرة على حياة الإنسان المعاصر الفكرية والنفسية والاجتماعية، وعلى العلاقات بين المجتمعات الإنسانية، بل وعلى العلاقة بالطبيعة والكون عامة، التي تتسم بكثير من الاختلالات والمخاطر الحقيقية المعيشة والمتوقعة! بالرغم مما قدمته هذه الحداثة المعاصرة من إنجازات مادية هائلة ومفيدة للإنسانية.

فالسنن التي تحتاجها إدارة الحياة الإنسانية في مستوياتها الفردية والجماعية والحضارية والطبيعية والكونية.. ليست منحصرة في عالم الآفاق أو المادة وعالم الأنفس أو المجتمعات، بل هي موزعة على ساحات وعوالم كونية أخرى أساسية، وهي عالم سنن الهداية وعالم سنن التأييد، فإذا لم يتمكن الإنسان من الانفتاح عليهما والاستفادة من معطياتهما الضرورية، فإن تحكمه الكبير في سنن الساحتين السابقتين، سيتحول إلى طاقة مدمرة كما هو واقع فعلا! وأنظر إلى هذه المقولة لأحد كبار علماء الأحياء وهو رينيه دوبو الأمريكي الحائز على جائزة نوبل، التي تلخص لنا بعدا عميقا وخطيرا من أبعاد التعاسة التي يعيشها الإنسان المعاصر في ظل المنظور الكوني الجزئي للحداثة المعاصرة «الإنسان اليوم ليس غريباً عن أخيه الإنسان فحسب، بل الأهم أنه غريب معزول عن أعماق ذات»!

o     وماذا بالنسبة للمنظورات الكونية غير الحداثية المعاصرة؟ هل تعاني من نفس المشكلة وتفرز نفس النتائج السلبية؟

المنظورات الكونية للنماذج المرجعية الجزئية الأخرى في المجتمعات الضعيفة والمتخلفة والمستلبة والمغلوبة على أمرها، بما فيها المجتمعات الإسلامية طبعا، تفضي إلى نتائج أسوأ وأشد قساوة! لأنها منظورات لا تمكن أصحابها من الاستفادة لا من معطيات سنن الله في الآفاق ولا في الأنفس ولا في الهداية ولا في التأييد! بل هي متخلفة ومحرومة من خدمات كل هذه المنظومات السننية الكونية المتكاملة، وواقع هذه المجتمعات خير وأقوى مؤشر ودليل على مصداقية ما أقوله مع الأسف الشديد! فهي كلها تعاني من التبعية المذلة، وكرامة الإنسان فيها مهانة، وكرامة الأوطان مهدورة، ومقدراتها مستباحة، وأمل النهضة فيها مغتال!

o     ولكن المسلمين لديهم الإسلام الذي يعتبر أشمل وأكمل وأرقى نماذج المنظورات الكونية المرجعية، بنص القرآن، وبشهادة التجربة التاريخية، فكيف يصدق هذا التحليل والوصف عليهم؟

لقد كنت دقيقا أخي حسن عندما قلت المسلمين ولم تقل الإسلام! لأنه مع الأسف، فإن المسلمين أصبحوا شيئا والإسلام بات شيئا آخر في حياتهم وسلوكهم، في كثير من جوانب تفكيرهم وتصوراتهم وسلوكاتهم وأعمالهم وعلاقاتهم بالله وبأنفسهم وببعضهم البعض وبغيرهم من البشر وبالطبيعة والكون! فكثير من المسلمين وبحسن نية، وبجهل لحقيقة الإسلام، يتحركون في كثير من جوانب حياتهم بعيدا عن منطق الإسلام ومقتضياته! وبعضهم يتحرك بسوء نية ضده، وهم قلة والحمد لله، ولكنها مع الأسف مؤثرة، لأسباب شتى!

نعم الإسلام هو أشمل وأكمل وأرقى المنظورات الكونية المرجعية على الإطلاق، ولكن المسلمين فتتوه إلى أجزاء وتفاريق متنافرة، كل منها يعرض على أنه هو الإسلام الصحيح الحق، وأنه الإسلام الوسطي، وأنه الإسلام السلفي العتيد، وأنه الإسلام الحضاري، وأنه الإسلام التقدمي، وأنه الإسلام المنجي، وأنه الإسلام العصري أو الحداثي.. إلى ما هنالك من الإسلامات المتنافرة المزعومة، التي فككت صورة الإسلام الحقيقية في أذهان الناس مسلمين وغير مسلمين! وأربكت موقفهم منه، وحقيقة الإسلام وواقع المسلمين معا، يكذبان الكثير من هذه الادعاءات والمزاعم، ويبرِّآن الإسلام من ذلك، ويحمِّلان المسئولية للمسلمين الذين أحلوا أهواءهم وعاداتهم وتقاليدهم ومصالحهم وجهالاتهم.. محل حقيقة الإسلام، وحكموها فيه، وأخضعوه لها،.

o     هل من أمثلة توضيحية وتأكيدية هنا؟

الأمثلة لا تحصى، فماذا نذكر وماذا ندع! خذ على سبيل المثال قصة علاقة كثير من السياسيين والحاكمين منهم خاصة، بالإسلام عبر التاريخ، فسترى بأن الحاكم يخضع الإسلام لرغباته وإرادته وشهواته ومصالحه في كثير من الأحيان، مستعينا بما سماه كثير من الدارسين بعلماء السلطان أو البلاط، الذين يصدرون الفتاوى في الأمور الحاسمة حسب رغبة الحاكم، فترى لنفس العالم فتوى تحرم الشيء في فترة، وفي فترة تالية لها تحلله وتبرره وتحبذه، ثم تحرمه مرة أخرى ثم تحلل.. وهكذا تدور مع رغبة ومصالح الحاكم كيفما درات! وانظر إلى ما يجري في الفترة الأخيرة بعد ما سمي بالربيع العربي، وهرولة كثير من الأنظمة السياسية إلى الاحتماء بالنفوذ الإسرائيلي من شعوبها التواقة إلى التغيير والإصلاح، لتجد عجبا! فكيف يثق الناس في هذا النوع من الإسلام الذي يعرضه هؤلاء حسب الطلب، وكأنهم في مزاد علني مفتوح على الدفع الأعلى!

والمثال الآخر الذي أود أن أذكره لك بهذه المناسبة، هو قصة نرويجي على مشارف الخمسينات من عمره، وهو رجل مثقف رزين ومدير مدرسة، رغب في التعرف على الإسلام عقب أحداث 11 سبتمبر 2001 في أمريكا، وبقيت معه ما يقرب من أربعة أشهر نلتقي ساعة ونصف إلى ساعتين كل أسبوع، أجيب عن أسئلته وأعرض له من خلالها حقيقة الإسلام، ويبدو أنه أعجب بما عرضته عليه، فسألني في نهاية اللقاءات سؤالا مهما ومعبرا جدا، وهو: هل المسلمون يعرفون هذه الأمور عن الإسلام؟ وأدركت خلفيات ومقاصد سؤاله الذي يدل على أنه خائف من أن يكون ما عرضته عليه عن الإسلام هو مجرد دعاية وتبييض لوجه الإسلام من أجل اجتذابه إليه، لأنه يستحضر في ذهنه صورة المسلمين المتخلفة البئيسة، كما يستعرض نماذج من الدعوات المتخلفة للإسلام، التي تجعل الإنسان غير المسلم وخاصة الغربي، يحس بأن ما هو عليه أرقى وأفيد وأليق بإنسانية الإنسان، مما يعرضه بعض المسلمين عن الإسلام أو يعيشونه!

فلما فرقت له بين حقيقة الإسلام وبعض المسلمين، وبين حقيقة المسيحية وبعض المسيحيين، وبين حقيقة الديمقراطية وبعض الديمقراطيين… ونبهته إلى أنه يمكن أن يكون أحسن وأفضل إسلاما من كثير من المسلمين الإسميين أو الجغرافيين، وأكثر نفعا للإسلام وخدمة له، اقتنع بكلامي وأسلم وسافر إلى ماليزيا وتزوج ماليزية وأنجب منها عدة أولاد وبنات.

o     فالأولوية الكبيرة التي يجب التركيز عليها في العمل الحضاري الإسلامي الوطني، في نظركم إذن، هي بناء وتجديد الوعي بالمنظور السنني الكوني الكلي المتوازن كما تسمونه، هل هذا ما ترونه وتؤكدون عليه؟

نعم، هذا ما أراه بالغ الأهمية، ليس في هذه المرحلة فحسب، بل في كل وقت، إنه يجب أن يكون هو الأولوية الاستراتيجية الدائمة للأفراد والمجتمع والأمة بل والإنسانية عامة، لأن صلاح المنظور الكوني ومطابقته لحقائق وسنن الوجود الإلهي والكوني والإنساني، يؤثر بعمق وقوة في صلاح بقية مناحي الحياة الإنسانية الفردية والجماعية، الدنيوية والأخروية، واضطرابه أو فساده، يؤثر سلبا في كل مناحي الحياة الإنسانية كذلك.

ولهذا كانت المهمة الأساسية الأولى للرسالات السماوية عبر التاريخ، ولحركات الإصلاح والتجديد، هي بناء الوعي بهذا المنظور السنني الكوني المتوازن، فجوهر مهمة ورسالة الدين في الحياة هي بناء وإصلاح المنظورات الكونية للناس، حتى تتطابق وتنسجم مع حقائق وسنن الوجود الإلهي والكوني والإنساني، ولا تتناقض معها. وأنظر على سبيل المثال في السنة النبوية الشريفة، كيف ركز الرسول عليه الصلاة والسلام على قضية إصلاح الدين، باعتباره مركز وبؤرة المنظور السنني الكوني الكلي المتوازن، فقد جاء في الحديث أنه عليه الصلاة كان يكثر من هذا الدعاء العظيم: ( اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لي دِينِي الذي هو عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لي دُنْيَايَ الَّتي فِيهَا معاشِي، وَأَصْلِحْ لي آخِرَتي الَّتي فِيهَا معادِي، وَاجْعَلِ الحَيَاةَ زِيَادَةً لي في كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ المَوْتَ رَاحَةً لي مِن كُلِّ شَرّ ). كما قال في حديث آخر بالغ الأهمية في هذا المجال: ( إنَّ اللهَ يبعثُ لهذه الأمةِ على رأسِ كلِّ مائةِ سنةٍ من يُجدِّدُ لها دينَها).

فالثورات أو الهبات الثقافية الدورية الكبرى، تتمحور حول إصلاح المنظورات السننية الكونية الكبرى وتجديد وعي الناس بها، لتكون مدخلا لإصلاح وتجديد الحياة بشكل شامل ومتكامل ومتوازن بعد ذلك. أما الغفلة عن هذا الجذر أو العمق في عمليات الإصلاح والتجديد والنهضة، والجري وراء معالجة الأعراض وترقيع الجزئيات هنا وهناك، فهو مسلك لا جدوى منه، لأنه يعمق الأزمات الثقافية والاجتماعية والحضارية ويعقدها، ويعصب حلها.

o     إذن المنظورات السننية الكونية الشاملة كما تسميها، هي مفتاح إصلاح الوعي وإصلاح الحياة في نظركم؟

بكل تأكيد، فنحن مهما أخذنا من النماذج، واستعرضنا من المشكلات التي يعيشها الإنسان المسلم والمجتمعات الإسلامية، وكذا الإنسان غير المسلم والمجتمعات غير المسلمة، وأردنا أن نقف على جذرها ومنبعها الأساس، فإننا سنصل في نهاية كل تحليل وتفسير لهذه المشكلات والاختلالات، إلى التأكد من أن اضطرب المنظورات الكونية الجزئية المتنافرة، لها مدخلية ومسئولية كبيرة في ذلك، لأن كثيرا من المنظورات الكونية الجزئية تعاني من الصدامية الجزئية أو الكلية مع حقائق الوجود الإلهي أو الكوني أو الإنساني هنا أو هناك، وتقود الإنسان في كثير من الأحيان إلى أنواع من ازدواجية الشخصية وتنافرية السلوك، واضطراب وتنافرية العمل، واهتزاز وهشاشة العلاقات الاجتماعية، وتنافرية واختلال العلاقات الإنسانية بين الشعوب، واحتدام الصراعات الخفية والمعلنة المنهكة والمهلكة فيما بينها، بل ويتعدى ذلك التأثير إلى صدامية وتنافرية العلاقة بين الإنسان والطبيعة والكون، كما جاء بيان ذلك في القرآن الكريم في مثل قوله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )[الروم : 41].

من هنا أكدت كثيرا وسأظل أؤكد على قضية أو أولوية بناء الوعي بالمنظور السنني الكوني الشامل، كمدخل مفتاحي لأي تغيير أو إصلاح أو تجديد أو نهضة حضارية إنسانية حقيقية متوازنة في العالم الإسلامي، أو غير الإسلامي، فلا نضيع جهودنا وإمكاناتنا وأوقاتنا وفرص حياتنا.. في معالجة أعراض المشكلات والأزمات، والجري وراء ترقيع الجزئيات المتناثرة هنا وهناك، ولنذهب مباشرة إلى جذر المشكلات ومنبعها الرئيس الذي إذا صلحت الصلة به صلح ما بعده، وإذا فسدت هذه الصلة فسد ما بعدها، وهو إصلاح وتجديد وبناء المنظور السنني الكوني الكلي المتوازن.

o     من يقرأ أو يسمع تأكيدكم على أولوية بناء الوعي بالمنظورات الكونية، يظن بأن بقية الأولويات الحيوية الأخرى من تنمية وإصلاح تربوي وأسري واجتماعي واقتصادي وسياسي، وبناء لقدرات الدفاع عن المجتمع ومصالحه العليا.. ليست ذات أولوية، ويجب أن ننتظر حتى نصلح الوعي بالمنظور الكوني وهو أمر نظري طويل المدى، ثم نعتني بهذه الأولويات الحيوية العاجلة بل والدائمة، كيف يستقيم هذا في نظركم مع الأولوية التي تطرحونها؟ وكيف نوفق بينهما؟

لا.. لا! ليس هذا قصدي إطلاقا، فحركية الحياة لا تتوقف على شيء، ولو أردنا توقيفها ما استطعنا، ويجب عليها أن تمضي قدما لتلبية ضروريات وحاجيات ومحسنات حياة الناس بقدر المستطاع، وخدمة الأولويات المشروعة لها مهما كان فيها من اختلالات، ولكن في نفس الوقت يجب علينا أن نفكر بجدية في الأولويات ذات التأثير الجذري البعيد المدى على حركية هذه الحياة، لكي تسير في طريقها الصحيح، وعلى أولوياتها القائمة، لكي تُلبى بشكل أفضل وأكثر خيرية ونفعا وبركة ورحمة، وليس هناك في نظري ما يصحح مسارات الحياة، ويجدد فعاليتها وخيريتها وبركتها ورحمتها الكونية العامة، ويمنح الأولويات الجزئية المختلفة للأفراد والمجتمع والدولة والأمة، مصداقيتها وفعاليتها المطلوبة، من المنظورات السننية الكونية الصحيحة الشاملة المتوازنة، لأن الاهتداء إليها، والاستهداء بها في إدارة الحياة، يعطي للحياة أبعادها ومعانيها وطعمها الحقيقي، ويضع الأولويات في أماكنها الصحيحة، ويؤمِّن فعالية وتكاملية إنجازها، ويضمن لها المزيد من الخيرية والبركة والرحمة الكونية العامة.

وعدم الجمع بين البعدين في حياتنا الفردية والجماعية هو الخلل الكبير والخطير، لأن الأولويتين تسيران معا جنبا إلى جنب، فإذا تعطل دور أي منهما اضطربت حياتنا وتعسرت، لذلك فنحن علينا أن نمضي قدما بكل قوانا في تلبية أولويات حياتنا الحيوية، مع العناية القصوى بمراجعة وتجديد الوعي بمنظوراتنا الكونية الشاملة بشكل مستمر، لأن أي خلل أو اضطراب أو قصور أو انحراف فيها، ينعكس بشكل سلبي جدا على حياتنا عامة وعلى أولوياتنا فيها خاصة، ويتعرض وجودنا الدنيوي للخطر ، كما يتعرض وجودنا الأخروي لخطر أشد منه.

o     هل يمكن أن نستحضر هنا بعض النماذج أو المؤشرات عن خطورة هذا الانفصال أو الاسترخاء في العلاقة بين الأولويتين في حياة الأفراد والمجتمعات؟ أي أولوية تجديد الوعي بالمنظور السنني الكوني المرجعي الشامل للمجتمع كما تسمونه، وأولوية تلبية حاجات ومتطلبات المجتمع الحيوية الآنية؟

يمكن أن نشير هنا إلى إحدى النتائج السلبية الخطيرة التي تترتب عن ضعف أو اضطراب الوعي بالمنظورات السننية الكونية المرجعية الشاملة، وتقلص تأثيرها على وعي الناس وأولوياتهم وحركتهم الاجتماعية، وهي تحول الكثير من الأهداف والأولويات الجزئية التي يضعها الفرد أو المجتمع مع مرور الزمن، إلى أولويات كلية معزولة قليلا عن مؤطراتها المرجعية الكلية، وتكاد تتحول إلى منظورات كلية جديدة، ثم تتجزأ هذه الأهداف والأولويات التي صارت شبه كلية مع مرور الزمن، إلى أهداف وأولويات جزئية جديدة منفصلة عن سابقتيها، وتتحول بدورها إلى أهداف وأولويات كلية جديدة، ثم ما تلبث هي الأخرى أن تتجزأ وتتحول إلى أهداف وأولويات كلية جديدة منفصلة عن سابقاتها.. وهكذا دواليك يتسلسل الانفصال عن المؤطرات  السننية المرجعية الكلية الأم، وتصاب منظومات الوعي في المجتمع بتورمات سرطانية فتاكة، تضر كثيرا بانسجام المجتمع وتكاملية جهده، وبفعالية أدائه في وجه التحديات المحيطة به.

فتطور المجتمعات بعيدا عن منظوراتها السننية الكونية المرجعية الأم، يقذف بها في دوامات التيه والتنافرية المنهكة، التي تربك هويتها الذاتية، وتشوش بوصلة تحديد وجهة حركتها، وتفقدها وزنها الحضاري، وتجعلها عرضة للتذبذبات المنهكة، ومرْفَسة ولقمة سائغة للتيارات والقوى الفكرية والثقافية والحضارية المتدافعة في العالم. إنها تكون في حالة تيه تشبه أو تطابق تماما وضع الكائن الذي ينفصل عن مركز جاذبيته وارتباطه العضوي الأصلي، ويهوي في متاهات سحيقة ساحقة لا قرار لها! كما حدث للغراب الذي أراد تقليد مشية الحمامة، ففقد مشيته ولم يكتسب مشية الحمامة! فأصبح جنسا آخر ممسوخا ومنبوذا من جنسي الغربان والحمام معا!

وكثير من المجتمعات المعاصرة ومنها المجتمع الجزائر طبعا، عانت وتعاني من هذه المعضلة، بسبب اضطراب وتذبذب وعيها بمنظورها السنني الكوني الشامل الأم، الذي تعرض لاختراقات فكرية وثقافية وعقدية واجتماعية شتى، فتشوهت حقيقته في نفوس أصحابه، وتجزأت وتنافرت معطياته لديهم، فأمسك كل فريق بجزئية منه، وحولها إلى كلية ثم إلى كليات متشرذمة، وانحبس فيها، وعدها هي أصل المنظور وجوهره، وانطلق منه ليفهم نفسه ومجتمعه والعالم من حوله، ويحكم عليه، ويقيم العلاقة به، ويحدث التغيير والنهضة في حياته على أساس ذلك الجزء من المنظور الكلي.

ويكفي أن يتأمل الإنسان في الساحة الثقافية والسياسية والاجتماعية لدينا أو في العالم الإسلامي على سبيل المثال، ليقف على مخاطر انفصال الوعي عن حقيقة وجوهر منظوره السنني الكوني الشامل، وما يحدثه ذلك من تنافرات واهتلاكات منهكة في الشخصية وفي المجتمع والدولة! كما تظهر بعض تجليات ذلك في الساحة الصوفية المتشرذمة المتنافرة، والساحة السلفية المتشرذمة المتنافرة، والساحة السياسية المتشرذمة المتنافرة، والساحة العلمانية المتشرذمة المتنافرة، والساحة الاجتماعية المتشرذمة المتنافرة، والساحة الثقافية المتشرذمة المتنافرة.. وهلم جرّا.

إن هؤلاء الذين تجزأت وتبعثرت وتشرذمت رؤيتهم بمنظورهم السنني الكوني الشامل وعلاقتهم به، يشبهون تماما العميان السبع الذين جيء لهم بفيل وطلب منهم تقديم وصف عن حقيقته، فم يستطع أي منهم أن يقدم وصفا حقيقيا عن الفيل، بل قدم كل واحد منهم وصفا لجزء من الفيل لا علاقة له بحقيقة الفيل أبدا!

فالأهداف والأولويات التي يضعها الأفراد والمجتمع والدولة لأنفسهم، إذا لم تكن موصولة بعمق منظوراتها السننية الكونية المرجعية الشاملة، ومتحركة ومتطورة في ضوء موجهاتها الرئيسة، فإنها تفضي مع مرور الوقت إلى التبعثر والتشرذم والتنافر والتفكك المنهك، ولذلك يعتبر الوعي بالمنظور السنني الكوني الشامل، هو العاصم من القواصم المهلكة للأفراد والمجتمعات والدول والأمم والحضارات.

 

 

 

 

 

الجزء الثالث

هذا هو الجزء الثالث من الحوار الوسيع الذي أجريناه مع الأستاذ الشيخ المفكر الطيب برغوث وهو أول حوار جامع لوسيلة إعلامية (صحيفة) جزائرية وربما عربية، ولذلك يمكن القول: إن الحوار(وقد نشرنا الجزء الأوفر منه) يمثل محطة تتيح لمن أراد الوقوف على ملامح وجهود وفكر الدكتور، ومعرفة المفاصل الأساسية لرؤيته الحضارية الموسومة بـ «السننية»… وإلى الحوار.

o     ضمن اهتماماتكم في ترسيخ وتعزيز الوعي السنني، تحدثتم عن الأكاديمية الثقافية.. هل من كلمة موجزة عن هذه الأكاديمية الثقافية؟

هذه الأكاديمية تقوم على خريطة منظور السننية الشاملة، وتستلهمها في كل مشاريعها وأنشطتها، ولذلك فهي تتكون من أربع كليات أساسية هي: كلية سنن الآفاق، وتهتم ببناء الوعي بالحجية والسلطة المرجعية للمعرفة والثقافة السننية المتعلقة بعالم المادة ودوره في حياة الأفراد والمجتمعات والدول والأمم والحضارات، وتتكون من عدة دوائر متخصصة. وكلية سنن الأنفس، وتهتم ببناء الوعي بالحجية والسلطة المرجعية للمعرفة والثقافة السننية المتعلقة بإدارة الأفراد والدول والمجتمعات والأمم والحضارات، وتتكون بدورها من عدة دوائر متخصصة. وكلية سنن الهداية، وتهتم ببناء الوعي بالحجية والسلطة المرجعية للمعرفة والثقافة السننية المتعلقة بدور الوحي والدين في حياة الأفراد والدول والمجتمعات والأمم والحضارات، وتتكون بدورها من عدة دوائر متخصصة. وكلية رابعة كلية سنن التأييد، وتهتم ببناء الوعي بالحجية والسلطة المرجعية للمعرفة والثقافة السننية المتعلقة بدور العون والتأييد الإلهي في حياة الأفراد والدول والمجتمعات والأمم والحضارات، وتتكون بدورها من عدة دوائر متخصصة.

وأطمح أن تكون هذه الأكاديمية بهذه الشبكة الواسعة والمتكاملة من الأنشطة، عبارة عن خلية نحل أو مملكة نمل، دائبة النشاط الهادف المركز، إذا وجدت الدعم البشري النوعي وكذلك المادي المطلوب، وهي في خدمة كل المؤسسات الوطنية الرسمية والشعبية التربوية والثقافية والاجتماعية والسياسية، لأن جهدها يصب في عمق ما تسعى إليه كل هذه المؤسسات الوطنية، وهو تنمية المجتمع، وشحذ كفاءة وفعالية الأفراد، وشحذ شبكة العلاقات الاجتماعية للمجتمع وحمايتها، ومراكمة شروط المضي قدما في تحقيق نهضتنا الحضارية المنشودة.

o     من خلال مراجعة بعض كتبكم، يبدو أن المنحى الذي تتخذه دراساتكم واهتماماتكم، يتجه ـ بشكل رئيس ـ إلى التنظير الكُلّي، وليس الجزئي، كما هو شائع في كثير من الاهتمامات في هذا المجال، فما هو سر ذلك، إذا كان هذا الانطباع أو الاستنتاج صحيحا؟

ملاحظة واستنتاج في محلهما، فأنا في عموم دراساتي أركز على البحث عن المنظور السنني الكوني الكلي الذي تتحرك في ضوء مقتضياته ومعطياته كل هذه السنن الجزئية التي لا حصر لها في عوالم الآفاق والأنفس والهداية والتأييد، لتؤتي ثمارها في تحقيق الخيرية والبركة والرحمة الكونية العامة في حياة الإنسان، أو تحرم هذا الإنسان من ذلك وتفرض عليه الحركة على خط الشر والفساد والاختلال والتعاسة والضنكية الحضارية، بناء على المسار الذي يختاره الإنسان في الحياة، والموقف الذي يتخذه من هذه السنن المطردة.

لقد كان السؤال الذي يشغلني كثيرا هو: هل هناك نواظم كلية مؤثرة بشكل شامل ومطرد على حركة المداولة الحضارية المهيمنة على الوجود الدنيوي البشري، أم أن الأمر متروك لهذه السنن الجزئية تفعل فعلها في حياة الأفراد والمجتمعات كيفما اتفق أو كيفما أراد هذا الإنسان استعمالها؟

فالبحث عن السنن الجزئية والكشف لها أمر ميسور، وفي كل حين يكتشف الناس سننا جزئية ويستثمرونها في إدارة حياتهم، ولكن مع ذلك فإن هذه الحياة كثيرا ما تتحرك على خط الفساد والاختلال والتعاسة والضنكية الحضارية، فما هو السر في ذلك؟ أو كيف نفسر ذلك؟ فالمجتمعات المعاصرة على سبيل المثال، وحتى المجتمعات المتخلفة أو النامية، وضعت أياديها على كثير من سنن الله الجزئية في الآفاق والأنفس، وتستثمرها بفعالية، ولكنها مع ذلك تعاني من معضلات نفسية وروحية وأخلاقية واجتماعية وسياسية كثيرة، تتسبب لها في الكثير من الضنكية والتعاسة! فكيف نفسر ذلك؟ وأين يكمن السر فيه؟

والسر في هذا يرجع إلى اضطراب أو قصور أو غياب الوعي بالمنظورات السننية الكونية الكلية الناظمة لحركة الحياة، التي ينبغي أن تُستثمر كل هذه السنن الجزئية في إطارها بشكل صحيح ومفيد، وكثير الخيرية والبركة والرحمة الكونية العامة.

إنّ السنن الجزئية المبثوثة في كل الساحات الكونية الأربع الكبرى، مثل الأدوية المختلفة في الصيدلية، لا يستطيع الإنسان الاستفادة منها في مواجهة أمراضه، إلاّ عبر طبيب صيدلي متخصص يملك خريطة كلية عن هذه الأدوية ولأي شيء يصلح كل منها، وكيفية تناولها، كذلك الاستفادة من ترسانات السنن الجزئية، ينبغي أن تستثمر وفقا لمنظور السننية الشاملة، فإذا اضطرب الوعي بهذا المنظور أو تجزأ أو غاب، استعملت هذه السنن بشكل غير صحيح وغير منضبط، وفتكت بمستعملها وبمن استعملت ضده!

فالأمر المهم والرئيس في مفهوم السننية لدي، ليس هو البحث عن السنن الجزئية واكتشافها ووضع اليد عليها والاستفادة منها فحسب، وإنما المهم كذلك، هو وضع اليد على منظور السننية الشاملة، الذي تنتظم كل هذه الشبكات السننية الجزئية التي لا حصر لها في إطاره، وتكتسب فعاليتها الوظيفية التكاملية الإيجابية القصوى منه، وهذا هو الإشكال الأكبر المطروح في الثقافة والحياة الإسلامية والإنسانية عامة: كيف نمسك بمفاصل خريطة منظور السننية الشاملة، الذي يعيننا على الاستثمار التكاملي الفعال والآمن للسنن الجزئية الكثيرة، حتى لا تتحول إلى خطر على حياتنا ومصيرنا؟

هذا هو الأمر الرئيس الذي يعني مشروع السننية الشاملة بالدرجة الأولى، إنه محاولة اكتشاف وصياغة الإطار أو الوعاء أو الخريطة أو الناظم السنني الكلي المركزي، الذي تتحرك في إطاره حركة الحياة، ويتم في إطاره استثمار ما يصل إليه الإنسان من سنن جزئية كثيرة، فإذا تحقق لنا ذلك، انضبطت حياتنا وانسجمت وتوازنت واستقامت، وعظمت فعاليتها وخيريتها وبركتها ورحمتها الكونية العامة، وإذا لم يتحقق لنا ذلك، طحنتنا تنافرية واهتلاكية السنن الجزئية، وقذفت بنا في دوامات ومهالك التعاسة والضنكية الحضارية.

إنّها العودة بالفكر الإنساني وبالحياة الإنسانية إلى نقطة البداية الصحيحة فيهما، التي إذا صلحت صلحت تبعا لها مسارات الفكر والحياة ونهاياتهما، وإذا اضطربت أو فسدت اضطربت وفسدت تبعا لها مساراتها ونهاياتها. والبداية الصحيحة التي وضعها الله تعالى لحركة الخلافة البشرية في الأرض، هي أن يستثمر الإنسان معطيات الساحات السننية الكونية الكلية الأربع الكبرى، في بناء شخصيته، وفي إدارة حياته، وفي بناء علاقاته الاجتماعية والكونية معا، وفي تحضير واستشراف حياته الأخروية، وأن لا يهمل أيا منها، لأن إهماله يحدث نقصا وخللا في كل هذه الدوائر من حياة الإنسان، ويؤثر عليها سلبا.

o     قراؤك يعبّرون في بعض الأوقات عن ازدحام المصطلحات في مؤلفاتك الكثيرة، ويعجزون عن ملاحقتك مع الإقرار بأهمية ما تطرحه من فكر ورؤى.. هل يمكن أن نفهم منك سبب هذا التعقيد أو التشابك إذا جاز لي القول؟

سؤال صعب يا سي حسـن! أود أن أقول في البداية بأن الإنسان منا لا يستطيع أن يكون إلا هو، وأنا لا أستطيع أن أكون غيري، وغيري لا يستطيع أن يكون أنا، فأنا لا بد أن أكون أنا، وإذا أردت غير ذلك فقد اعتديت على نفسي وهويتي وأهدرت ما حباني به الله من خصوصية وقدرة وامتياز، وكذلك غيري إذا أراد ذلك فإنه يعتدي على نفسه وهويته وخصوصيته وقدرته وامتيازه، ويحرم نفسه ومجتمعه من بركات ذلك كله.

فنحن لا نكون إلا نحن، وإذا تكلفنا أن نكون غير ذلك فقد أخطأنا كثيرا، وربما أجرمنا كثيرا في حق أنفسنا وحق مجتمعنا!

فالكاتب الأصيل في نظري هو الذي يكتب لنفسه أولا، ويشبع ذاته أولا، أي يرضي نفسه وطموحه أولا، ويستمتع هو أولا بما يكتب، ويستفيد منه في تكوين وتربية نفسه، فذلك حق من حقوق نفسه عليه. فأنا أكتب لنفسي لأغيرها وأسددها، وأمنحها البصيرة التي تحتاج إليها لكي تخوض معتركات الحياة بتوازن وفعالية، وتحصل منها ما تستطيع من الخيرية والبركة والرحمة العامة.

ومن يكتب للآخرين على حساب حقوق إشباع نفسه وطموحه، فهو يظلم نفسه ويقصر في حقها، ويتقمص نفسا أخرى قد تكون غريبة عن حقيقته. ولذلك فليحترم القراء الأفاضل هذا البعد في كتابة الكاتب، ويعينوه على ذلك أولا، فإذا أعانوه على ذلك انتقلت بعض شحنات الصدق والإخلاص والحرارة التي يشعر بها هو إليهم، فيتفاعلون معه، ويتذوقون بعض ما كان يتذوقه، وفي ذلك كفاية! فالكاتب الأصيل ينفر من التكلف، وقديما قيل ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة! وأنا أحرص أن أكون كاتبا صادقا مع نفسي.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن تنوع قراءاتي وتعدد حقولها المعرفية، كما أشرت إلى ذلك في مقدمة هذا الحوار، وانفتاحي على جهود المفكرين الكبار الذين ارتادوا ساحة فلسفة التاريخ والحضارة أو ما أسميه بفقه النهضة الحضارية، أو فقه المداولة الحضارية، جعلني أتأثر بمنهجهم التحليلي، وبحرصهم على بناء منظومات مصطلحية خاصة بكل واحد منهم، يعبر بها عن رؤيته ومشروعه الفكري في مجال فقه النهضة والمداولة الحضارية.

ومن ناحية ثالثة، فإن طموحي إلى بناء رؤية متكاملة في فلسفة التاريخ والحضارة، أو فقه النهضة والمداولة الحضارية، أساهم به في الإجابة عن الأسئلة الكبرى التي تطرحها النهضة الحضارية على مجتمعنا وأمتنا والإنسانية، فرض علي بناء منظومة مصطلحية خاصة، أعبر بها عن هذه الرؤية أو الأطروحة التي أطرحها، ورأيت أنه من غير المناسب لطموحي أن أعتمد منهج التلفيق، خاصة وأنني حرصت أن تكون منظومتي المصطلحية منسجمة ومتناغمة مع المرجعية الفكرية والثقافية التي أنطلق منها وهي الإسلام، ولذلك حاولت أن اوظف المصطلح القرآني والنبوي خاصة، واستفيد بعد ذلك مما أراه منسجما مع أطروحاتي في المعرفة والثقافة والخبرة الإنسانية العامة.

ومن ناحية رابعة، فإن الحقل المعرفي الذي يتمحور حوله همي، يقتضي منظومة مصطلحية متكاملة، لأنه حقل بكر كما أشرت إلى ذلك في بعض ثنايا هذا الحوار من قبل. ففقه النهضة أو المداولة الحضارية، حقل معرفي محوري تلتقي فيه روافد معرفية شتى، ولذلك لا بد له من منظومات مصطلحية خاصة به، تعبر عن هويته المعرفية، تماما كما تعبر بقية المنظومات المصطلحية الأخرى عن هوية الحقول المعرفية التي تغطيها. فالفقه له منظوماته المصطلحية، والأصول له منظوماته المصطلحية، وكذا الحديث والعقدية وعلم الاجتماع وعلم النفس والاقتصاد والإدارة والأدب والرياضيات والكيمياء والعلوم.. وهلم جرا.

والمشكلة ليست في المنظومات المصطلحية ذاتها، وإنما في كيفية اعتياد الناس عليها، فإذا ما اعتادوا عليها بعد بعض الوقت والجهد، أصبحت مفهومة ومستساغة لديهم، ولا مشكلة لهم معها، بل تتحول إلى جزء من منظومتهم المعرفية المتسعة الآفاق، تماما مثل المصطلح الفقهي أو أصولي أو العقدي أو القانوني أو العلمي.. يكون صعبا على الناس، ولكن إقبالهم عليه، وتعودهم عليه، يجعلهم يفهمونه ويتذوقونه ويستسيغونه ويستعملونه.

وأنا غالب مفردات منظومتي المصطلحية مستمدة من المرجعية الثقافية الإسلامية كما أسلفت، فالمفترض أن ننفتح على ما في المصطلح القرآني والنبوي والتراثي عامة، من شحنات لم تظهر في مصطلحات العلوم المعتادة لدينا، وقد حان الوقت لمنح هذه الشحنات حقها في الظهور من خلال حقول معرفية جديدة، وفي المساهمة في التعبير عن السعة والقوة والقدرة الكامنة في المصطلح القرآني والحديثي.. وغيرهما.

o     كثيرا ما تحدثتَ عن «الفرص الضائعة » للمجتمع الجزائري.. أوجز لنا ذلك وأوضحه للقارئ الكريم؟

الفرص التاريخية الكبرى التي ضيعناها، ولم نستفد منها، وبؤنا بإثمها الكبير، على تفاوت بيننا في المسئولية عن ذلك، هي فرصة الثورة العظيمة، وفرصة الصحوة الكبيرة، وفرصة الهبة الوطنية الجديدة، وما بينها وما بعدها من فرص جزئية كثيرة أهدِرت كثير من المنح والتباشير التي حملتها إلى المجتمع الجزائري.

فالثورة كانت فرصة عظيمة كان بإمكانها لو استثمرت كل نتائجها النفسية والروحية والاجتماعية بشكل صحيح وفعال، لأسسنا بها الأرضية الصلبة الأولى لنهضتنا الحضارية المنشودة، ولكنها أجهضت أو اغتيلت! كما عبر عن ذلك بحق أحد المجاهدين الكبار، في كتاب له سماه «اغتيال ثورة» وهو المجاهد الأخضر بورقعة رحمه الله.

الفرصة التاريخية الكبرى الثانية هي فرصة الصحوة الروحية والاجتماعية الكبيرة التي عاشها المجتمع الجزائري كرد فعل طبيعي على ظهور مؤشرات عديدة مبكرة عن إجهاض مشروع الثورة الكبرى واغتياله، والانقلاب على روحه وطموحه في إقامة دولة وطنية ديمقراطية اجتماعية ذات سيادة في إطار المبادئ الإسلامية، وتحقيق وحدة شمال إفريقيا في داخل إطارها الطبيعي العربي والإسلامي، ولكن القوى التي اغتالت طموح الثورة الأم، تدخلت مرة أخرى واغتالت هذه الصحوة وحولتها إلى مأساة وطنية مريعة!

والفرصة التاريخية الكبيرة الثالثة، هي فرصة الهبة الوطنية الكبيرة التي انطلقت في 22 فيفري 2019 لتصحح مسار الانقلاب على روح وحقيقة الفرصتين التاريخيتين السابقتين، ولكن يبدو أن نفس الروح الشريرة تحاول إجهاض واغتيال هذه الهبة الكبيرة، إذا لم يتعلم الجزائريون الدرس جيدا من اغتيال وإجهاض الفرصتين التاريخيتين السابقتين، ويرتفعوا على مطامحهم الشخصية والعائلية والجهوية والطبقية المحدودة، وتعبؤوا ضد هذه الروح الخبيثة، ويفوتوا عليها الفرصة، ويحموا هبتهم الكبيرة، ويمضوا بها قدما نحو أهدافها في بناء مجتمع منسجم ومتكامل ومبدع تتعادل فيه الفرص بين جميع الجزائريين، ودولةِ حرية وعدالة وقانون وشفافية ورقابة ومحاسبة وكفاءة وأمانة.

وكما هو معروف في سنن الله تعالى المطردة، فإن الثورات والهبات والحركات الاجتماعية المغتالة، والفرص المهدورة، تنتقم من مغتاليها ومهدريها، والمساندين لهم، والساكتين عنهم، بأشكال قاسية شتى، يذوق الجميع مرارتها، ويكتوي بنارها في الدنيا قبل الآخر، كل بحسب حجم جرمه، كما نبه القرآن الكريم على ذلك في هذا القانون الخطير: (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ). [الأنفال : 25].

وأتصور لو أن هذه الفرص التاريخية الثلاث الكبيرة جدا، كتب لها النجاح ولو في حده الأوسط، ولم تتعرض للاغتيال والهدر، لأحدثت نقلة نوعية كبيرة في مسيرة النهضة الحضارية للمجتمع الجزائري، ولكان وضعنا ومركزنا ومقامنا غير الوضع والمركز والمقام! ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن كما يقال، حتى تتعلم المجتمعات الدروس، وتمسك بزمام سنن الله تعالى في التغيير والإصلاح والتجديد والنهضة الحضارية، وقد قال الله تعالى: ( إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ )[الرعد : 11].

o     ولكن السؤال الكبير والخطير هنا هو لماذا تُغتال وتجهض الثورات والهبات والفرص الوطنية الكبرى؟ ولماذا لا تستفيد الحركات والدول والمجتمعات من تجاربها الفاشلة، ولا تتعلم منها الدروس المطلوبة؟ وما سر إدمان بعض الحركات والدول والمجتمعات اللدغ من الجحر مرتين ومرات؟

نعم، هذه أسئلة محورية كبيرة جدا، وخطيرة جدا، و مهمة جدا، ويجب على نخب المجتمع الجزائري أن تطرحها بكل جدية، وتتجرد في الإجابة عنها بكل موضوعية، إذا أرادت أن تقدم فعلا خدمة عظيمة لمستقبل المجتمع وأجياله، وأن تضع نفسها في مصاف النخب الرسالية الحقيقية.

الفرص الثمينة في حياة الأفراد والدول والمجتمعات، غالبا ما يهدرها ضعف الوعي السنني الشامل، وضيق الأفق، وطغيان المصالح الخاصة الضيقة، وضعف النفوس، والخيانات، وقلة الوعي والإحساس بقيمة وأهمية المسؤوليات العامة.. وهي كلها فروع عن معضلة كلية وهي معضلة ضعف الوعي والروح الرسالية لدى نخب المجتمع الفكرية والاجتماعية والسياسية أولا ثم لدى المجتمع عامة ثانيا.

فالأفراد والنخب والمؤسسات والدول والمجتمعات، عندما يضعف فيها الوعي الرسالي الحقيقي، وتتراجع أو تتقلص فيها الروح الرسالية الحقيقية، التي تعلي دائما من شأن المصالح العامة، والأولويات العامة، والهموم العامة، والاهتمامات العامة، وتنحاز إليها باستمرار أو غالبا، ولو كان ذلك على حساب مصالحها وأولوياتها وهمومها واهتماماتها الخاصة.. فإن ميزان الأولويات لديها ينقلب رأسا على عقب، وتصبح الأسئلة السابقة غير ذات معنى ولا جدوى! لأن الإنسان غير الرسالي كائن غرائزي يعيش لغرائزه فقط، ليس على حساب المؤسسة أو المجتمع أو الدولة، بل على حساب نفسه التي لا يدرك منها ولا من ملكاتها وحقوقها وواجباتها إلا غرائزها السافلة! فكيف تريد من كائن هذا همه وهذا اهتمامه، وهذا وزنه وهذه قيمته، أن يرتقي بنظره إلى ما دون غرائزه؟ ويفكر في مصالح المؤسسة والدولة والمجتمع والأمة والإنسانية، إن ذلك شأن من شؤون الإنسان الرسالي تحديدا.

والمجتمعات التي تسود فيها الروح الغرائزية السافلة، على حساب الروح الرسالية المرتقية، تسري فيها روح التفاهة، ويعلو فيها شأن التفهاء، وتهيمن هذه الروح السافلة عليها، ويتكيف معها عموم الناس رغبا أو رهبا أو اعتيادا، وتتحرك أوضاعهم تدريجيا نحو المزيد من التصادم مع سنن الله تعالى في خلقه، فيزداد هذا المجتمع ضعفا وفسادا وانحدارا حتى يأتيه أجله، كما نبه على ذلك القرآن الكريم في مثل قوله تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً) [الإسراء : 16] الترفية والتفاهة والسفاهة والفسوقية والسفالة..حالة من التيه البليد المكثف، المحصن ضد الوعي بالمخاطر الحقيقية، ولذلك فإن المصاب بها من الأفراد والمجتمعات والدول.. يمضي نحوها سريعا وهو في حالة نشوة وزهو وغفلة تامة، حتى تقع الفأس في الرأس فجأة، فينتبه من تيهه بعد أن يكون أوان الاستدراك قد فاته، وجاء وقت دفع ثمن الغفلة والتيه والبلادة.

وهذا ما يفسره لنا حديث نبوي عظيم الشأن في هذا المجال، والذي يقول فيه الرسول عليه الصلاة والسلام: (إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء فإذا هو نزع واستغفر وتاب سقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله « كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون»).

فالغفلة عن الأخطاء تورث البلادة النفسية مع مرور الوقت، وتؤسس لثقافة الصمت والتغاضي والوتوتة السرية! وتحرم الإنسان من مراجعة نفسه والاستفادة من أخطائه، وهذا ما نعاني منه مع الأسف الشديد، إلى درجة أصبح فيها نقد التاريخ، أو نصح ذوي الشأن، وتقويم الأخطاء، واستخلاص الدروس اللازمة من ذلك كله، جريمة قانونية، وخطية ثقافية واجتماعية، تعرض صاحبها للمساءلة والمعاقبة والمقت السياسي والاجتماعي! مع أن من سنن الحياة «أن من كتم داءه قتله»، وأن الساكت عن الحق شيطان أخرس، وأن الظن بالنصيحة للمخطئ فردا أو مؤسسة أو دولة أو مجتمعا.. فيه شبه الغش والبخل والخيانة عامة!

o     هل يمكن أن تعطينا بعض الأمثلة هنا؟

الأمثلة كثيرة لا تحصى في حياتنا الخاصة والعامة، ويمكن هنا الاكتفاء بمثالين هامين لضيق مساحة الحديث:

المثال الأول: ولعل القراء الكرام يتذكرون على سبيل المثال ما يرد في بعض كتب العقيدة والتفسير وشروح السنة والتاريخ.. في الموقف من الخلاف أو الشجار الذي نجم بين جيل الصحابة رضي الله عنهم بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام، وتسلسل في الأجيال التي بعدهم، حتى تحول إلى معضلة فكرية وعقدية وثقافية وسياسية واجتماعية بالغة الخطورة على وحدة الأمة وأمنها الفكري والثقافي والاجتماعي والسياسي والحضاري الاستراتيجي. فقد تكرس في هذه الكتب وغيرها التأكيد على أهمية وأحيانا ضرورة الإعراض عن بحث ودراسة ما حدث، ومحاولة تحليل أسبابه وتفسيرها واستخلاص دروسها المطلوبة، وأصبحت تلك الساحة أو المنطقة أو المرحلة التأسيسية البالغة الأهمية منطقة محضورة ومجهولة! مع أن المنطق السنني يقتضي دراستها بموضوعية وعمق وشمولية وتوازن، واستخلاص عبرها الممكنة وتطعيم مسيرتنا التاريخية بها، تحقيقا للمزيد من الوقاية الاستراتيجية للمجتمع والأمة. وإهمال مثل هذه الساحات والمناطق التاريخية الهامة، يجعلها مرتعا خصبا للمغرضين والمتربصين وتجار الفتن مع الأسف الشديد، ولا يتفطن المجتمع إلى ما أحدثوه فيها من شروخ إلا بعد استحكام أمر الخلاف حولها، وتحوله إلى منطقة ضعف وفتنة مستدامة!

المثال الثاني: كما أن القراء الكرام يتذكرون ما ورد في ما سمي بقانون المصالحة الوطنية التي جاءت في خضم مأساة وطنية مروعة، ضربت المجتمع الجزائري في أم رأسه، وأتت على جزء هام من ذخيرته البشرية الرسالية النوعية، وعلى مساحات هامة من عمق شبكة علاقاته الاجتماعية، وعلى رصيد هام من إمكاناته المادية، وعلى جزء من سمعته التاريخية.. فقد جاء في إحدى بنود هذه المصالحة تجريم كل من يحاول دراسة المأساة الوطنية دراسة شاملة معمقة تستخلص الدروس والعبر، وتنشرها في المجتمع حتى لا تتكرر هذه المآسي المروعة!

وهكذا النظرة القاصرة لا تحسب إلا حساب اللحظة الراهنة، وكثيرا ما تذهل وتغفل عن النظرة المتكاملة للأحداث، فهي تنتهج نهج المسكنات الظرفية، ولا تنتهج نهج المعالجات الشاملة والعميقة للمشكلات، ولذلك فإنها سرعان ما تتفاجأ أو تتفاجأ الأنظمة التي تأتي بعدها بالمضاعفات الخيرة لهذه المشكلات، وقد انفجرت مرة أخرى بأشكال أشد ضراوة على المجتمع والدولة والأمة.

o     كثيرا ما تحدثتَ عن الفرص المهدورة والمغشوشة التي لم تتم الاستفادة منها في بلدنا تحديدا؟

أقصد بالفرص المغشوشة، الأوضاع المصنوعة الملغمة التي يصنعها الخصوم لبعضهم البعض، للإيقاع بهم في دوامات منهكة تستنزف طاقاتهم، وتبث الخلافات والصراعات المنهكة فيما بينهم، للوصول بهم إلى حال من الضعف والعجز تمكن خصمهم من التحكم فيهم، والاطمئنان على أوضاعه، وأنه أصبح في مأمن منهم، بل أصبح جزء منهم من حراصه وخدامه وخماسيه!

أما الأمثلة عن الفرص المهدورة فيمكننا أن نذكر هنا الصحوة الروحية والاجتماعية الكبيرة التي عاشها المجتمع الجزائري بعيد الاستقلال مثلا، فقد كانت من الفرص العظيمة التي تم إهدار كثير من مكاسبها وبركاتها، سواء بسبب غفلة أو ضعف وعي النخب المؤمنة والدخن الذي استبطنه بعضها، أو بسبب مكر وحنكة وشراسة خصومها المحليين والدوليين.

المهم هو أنها تحولت من فرصة ونعمة إلى مقتلة ونقمة ممتدة العواقب! فهذه الفئة من النخبة الوطنية لم يكن لدى بعض المؤثرين فيها كبير وعي بفقه الفرص، ولم تتمكن من الاستثمار الاستراتيجي الجدي فيها، وخاصة في الساحات والمفاصل الحيوية في المجتمع والدولة، وظلت تتمدد دون عمق فكري أو روحي أو ثقافي أو اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي أو إنساني حقيقي، فلما واجهت التحدي الشرس، وجدت نفسها بلا سند ولا حماية، وكان عليها أن تدفع هي والمجتمع ثمنا باهضا، أراده خصومها أن يكون صدمة مرجعية مُشِلَّة (من الشلل) بعيدة المدى، تجعل كل من يفكر في التغيير والإصلاح ومقاومة الفساد، يحسب ألف حساب قبل التفكير في ذلك، ناهيك عن الإقبال عليه ومباشرته!

والذي أخشاه كثيرا أن يحدث لفرصة الهبة الوطنية الجديدة الكبيرة، ما حــدث لفرصة الثورة والصحوة، وأن تجد هذه الهبة الكبيرة نفسها بلا عمق ولا سند ولا حماية كذلك، أمام خصوم محليين ودوليين شرسين، شب كثير منهم وشابوا في أحضان الفساد، ونبت عظمهم ولحمهم وشحمهم وسلطانهم منه، فشُبِّه لهم بأنه الحق والصواب والمصلحة! ولذلك لا يتورعون في إفناء المجتمع من أجل حماية هذا الفساد وتأمين وجوده واستمراره، باسم المصالح العليا للدول والمجتمعات!

o     كيف تبدو لك ملامح المستقبل بالنسبة للمجتمع الجزائري ؟

ملامح هذا المستقبل سواء بالنسبة للمجتمع الجزائري أو لعامة المجتمعات الإسلامية وغيرها، ترتبط بمدى التحولات التي تحدث في المنظور الكوني المرجعي القائم للمجتمع الجزائري أو غيره، فإذا تمكنت النخب الثقافية والاجتماعية والسياسية النافذة في الدولة والمجتمع، من إعادة ترميم وبناء هذا المنظور بحيث يتكيف وينسجم مع معطيات منظور السننية الشاملة، فإن المستقبل سيكون بإذن الله مشرقا وعظيما لنا وللمنطقة المغاربية والمتوسطية والعربية والإفريقية والإسلامية.. بحكم ما يتوفر عليه المجتمع من إمكانات استراتيجية بشرية ومادية وفكرية وثقافية وتاريخية بالغة الأهمية، تحتاج فقط إلى استثمارها بشكل صحيح وفعال ومتوازن وشامل ومتكامل، لتحدث النهضة الحضارية المنشودة.

وهذا الاستثمار بهذه المواصفات والشروط، لا يمكنه أن يحدث إلا إذا وعينا الأهمية البالغة لمنظور السننية الشاملة، وأعدنا ترتيب أوراقنا وأولوياتنا وحياتنا على ضوء معطياته ومقتضياته، على مستوى المنظومة الفكرية والثقافية، والمنظومة التربوية والأسرية، والمنظومة الاجتماعية والسياسية. وأزلنا التجزيئية والتنافرية المنهكة التي تطبع واقع كل منظومة منها في ذاتها، وفي علاقاتها مع بقية المنظومات الأخرى، أو خففنا على الأقل من ذلك.

أما إذا لم يحدث ذلك التحول في المنظور الكوني المرجعي، وظلت المنظورات الجزئية المعبأة بحمولات ثقافية وتاريخية متنافرة، سائدة ونافذة في إدارة حياة الأفراد والمؤسسات والدولة والمجتمع، فإن المستقبل معروف سلفا، وهو المزيد من الضعف والهدر لإمكانات وفرص الأفراد والمؤسسات والمجتمع والدولة.. والانغماس أكثر فأكثر في مأزق ومهلكة التبعية الحضارية المرهقة والمذلة، التي تديرها قوى حضارية من مصلحتها أن تبقى مهيمنة على الساحة الحضارية ونافذة فيها، وآمنة من أية منافسة حضارية جادة لها، ناهيك عن التهديد لريادتها وهيمنتها الحضارية.

فالدائرة المركزية أو الرئيسة للساحة الحضارية، والدوائر الأدنى منها، يحكمها باستمرار منطق أو قانون المدافعة والتجديد، فالمجتمعات التي تمكنت من تجديد فعالية مدافعتها الثقافية والحضارية، فإنها تحقق نهضتها ومداولتها الحضارية، وتنفذ إلى دوائرها الأولى أو الثانية، وتحافظ على بقائها فيها وامتداد نفوذها فيها بقدر استمرار تجديد فعالية مدافعتها الثقافية والحضارية، فإذا تجزأ أو تنافر أو تراجع أو توقف تجديدها، ضعفت فعالية مدافعتها الثقافية والحضارية، وأجبرها قانون المدافعة والمداولة الحضارية على تخلية مكانها لغيرها من القوى الحضارية الأكثر تجديدًا لشروط فعالية مدافعتها الثقافية والحضارية.

فمستقبل المجتمع الجزائري خاضع لمدى وعي نخبه الفكرية والاجتماعية والسياسية بهذا القانون الكلي المهيمن على حركة ومصائر المجتمعات الإنسانية عامة أولا، ولمدى مطابقة جهدها وحركتها الخاصة والعامة لمعطياته ومقتضياته السننية النافذة في الأفراد والمجتمعات ثانيا، ولمدى نجاحها في تحويل هذا الوعي إلى معرفة وثقافة عامة في المجتمع ثالثا، لأن النهضة الحضارية الحقيقية لا تصنعها النخبة وحدها، بل تصنعها عبر مجتمع مثقف واعي منخرط كلية في مسار النهضة، وآخذ بشروطها الفكرية والثقافية والنفسية والروحية والاجتماعية والسياسية والفنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرين + 15 =