أخبار عاجلة

جرعات سننية 1

بقلم: أ.د. عيسى بوعافية

مدخل

عرفت الدكتور الطيب برغوث، وأنا تلميذ في مرحلة التعليم المتوسط، من خلال سلسلة كتبه: “مفاتيح الدعوة”، التي أقبلت على قراءتها بنهم شديد، بنية الالتزام الذاتي، والتعرف على منهج وأساليب الدعوة إلى الله على بصيرة، وقد وجدت فيها –فعلا- ضالتي… ومنذ ذلك الحين؛ لم أتوقف عن تحصيل مؤلفاته ودراستها، وقد كانت رائعته: “المنهج النبوي في حماية الدعوة ومنجزاتها في المرحلة المكية”، التي وقفت عليها في بداية دراستي الجامعية، نسيجا مختلفا عما أَلِفناه في السيرة النبوية وفقهها، لما تضمنته من تجديد وحسن سبك وتقسيم، مع صرامة منهجية، توقظ الوعي، وتحفز التفكير,.. ثم وقفت على سلسلته: “آفاق في الوعي السنني… ويا لله العجب! وجدته يشرح ويفصل فيها كثيرا مما وقفت عليه متناثرا أو مجملا عند: العز بن عبد السلام، وابن تيمية، وابن القيم، والماوردي، وابن الأزرق، والشاطبي، وابن خلدون، والدهلوي، والأفغاني، وعبده، ورشيد رضا، وابن  عاشور، وابن باديس، والإبراهيمي، وابن نبي… وغيرهم من المجددين، بل ويزيد عليه!

شرفني الله بلقاء الدكتور الطيب أول مرة في 2011 م، فكأنني كنت أعرفه منذ الأزل!! ومنذ ذلك التاريخ؛ لازمته كظله، وتشرفت بخدمته كلما حل ضيفا على الجزائر، وصحبته مرارا، وهو ينفث جذوة أطروحته السننية في كل موقد، حيث لم يترك مجلسا علميا، ولا ميدانا دعويا، ولا مناسبة  جمعوية، إلا ولفت الانتباه إلى أهمية تلك الأطروحة في تحقيق النهضة الحضارية المنشودة .. وكان يؤلمني كثيرا أنني لا أجد الاستجابة التي يستحقها هذا الرجل؟! وكان يؤلمني أكثر، وأنا كل يوم أجد مفكرين من غير أبناء بلده يتبنون أفكاره وجوانب من أطروحته ؛ دون الإشارة إليه؟؟ وأجد من أبناء وطنه من ينبهر بتلك الأفكار عبر أولئك الوسائط ؟!!

ولذلك عزمت -من خلال هذا المقال- على لفت نظر نخبتنا ومثقفينا إلى ذلكم الرجل صاحب المشروع الفكري الواعد والعميق، من خلال عرض جرعات من أطروحته الفكرية، ألَّفْت بينها وربطتها بمصادرها من مؤلفاته، تحفيزا لتلك النخبة كي تتعرف على فكر الرجل، وتقرأ له قراءة واعية ناقدة، تسهم بوجه أو بآخر في تطوير ذلك المشروع وإثرائه، وتحويله من الجانب المعرفي النظري إلى الواقع العملي الثقافي الاجتماعي…

الخريطة السننية الكلية وأهميتها

يقول الدكتور الطيب برغوث : “أدركت منذ وقت مبكر، بأن الوعي بخريطة المنظومات السننية الكونية الكلية، هو بؤرة الوعي السنني، ومركز الثقل فيه، لأن الوعي السنني الجزئي أو الشبكي، أمره يسير والتراكم فيه سريع، بحكم التعليم والتربية والتجربة والاحتكاك، وتضاعف الخبرات وانتقالها عبر المجتمعات، فإذا لم نعرف خريطة النواظم السننية الكونية الكلية التي تتحرك وتستثمر في إطارها المعرفة السننية الجزئية الهائلة المُحصَّلة، فإن ذلك سيشكل خطرا كبيرا على حياة الأفراد والمجتمعات البشرية، ولهذا انصب اهتمامي على المساهمة في بلورة هذه الخريطة السننية الكلية، وأزعم أنني وصلت إلى خلاصات مهمة جدا في هذا المجال .

وأنا حريص على تبليغ ذلك لأجيال المجتمع والأمة، ومحاولة إقناعهم بأن طريق التكامل الذاتي للأفراد، وأن طريق النهضة الحضارية المكينة للمجتمعات، وتحقيق الخلافة البشرية الرشيدة في الأرض، والتوقي من مخاطر الغثائية والتبعية الحضارية، يمر حتما عبر الوعي الفكري بهذه الخريطة، والتجسيد العملي لمعطياتها في حركة الحياة”[1].

ولا يفتأ الدكتور الطيب برغوث يُذَكّر في جل مؤلفاته، أن خريطة المنظومات السننية الكونية الكلية، تتشكل من أربع مجموعات أساسية من المنظومات السننية الكلية المتكاملة، هي:

أ‌)    منظومات السنن

أولا: منظومة سنن المقاصد الكلية للحياة البشرية؛ وتتشكل بدورها من:

1.   سنن التوحيد والعبودية

2.   سنن الخلافة

3.   سنن العمران الحضاري

4.   سنن تهيئة المصير الأخروي للإنسان .

ثانيا: منظومة السنن الكلية الناظمة لحركة الاستخلاف في الأرض؛ وتضم :

1.   سنن الابتلاء

2.   سنن المدافعة

3.   سنن المداولة

4.   سنن التجديد .

ثالثا: منظومة السنن الكلية المتعلقة بالتسخير الإنجازي؛ وتضم:

1.   سنن الآفاق

2.   سنن الأنفس

3.   سنن الهداية

4.   سنن التأييد

رابعا: منظومة السنن الكلية المتعلقة بالوقاية الحضارية؛ وتضم:

1.   سنن الوقاية المبكرة

2.   سنن الوقاية المرافقة

3.   سنن الوقاية الاستدراكية .

يتبع

 


[1] – الطيب برغوث، مدخل إلى سنن الصيرورة الاستخلافية على ضوء نظرية المدافعة والتجديد، الجزائر، دار النعمان للطباعة والنشر، ط 1، 2019 م، ص 08، 09  .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية − واحد =